1- بدر شاكر السياب - قصيدة شناشيل إبنة الجلبي ( بصوته) 

2- بدر شاكر السياب - قصيدة منزل الأقنان ( بصوته)

منــزل الأقنــان - سطور مائية من دفتر السياب / قصة

كتبها ناصر الريماوي ، في 7 حزيران 2009 الساعة: 00:40 ص

 

منزل الأقـنان – قصة قصيرة

 "سطور مائية من دفتر السياب"

 

(1)

 

كاد "السياب" وفي غفلة منها ان يعثر على سيرته البائسة وقصائده التي لم تُكتب بعدْ، وأشد ما خشيتْهُ أن يقرأ نهايته التي حسمها القدر منذ ثلاثة عقود أو يزيد، لكن ذهوله بنواح شكلية كجودة الطباعة والتصفيف وتلوين الغلاف، ثم تاريخ النشر الذي يشير إلى زمن لم يأتِ بعدْ، أفقده التركيز وطفق يتصفح أطراف الكتاب في نهم مفرط، لجمتها المفاجأة فتسمرت أمامه  كتمثال قديم وهي ترقب بلا وعي  يديه المعروقتين تتصفحان أوراقه المصقولة في إرتعاش وإضطراب شديدين، غشيتها صفرة مرعبة أمام أحتمال مرتقب حين استوقفه شيء ما في فصله الأخير، حنى جسده الضامر إلى خارج المقعد، وراح يحدق في الصفحة باهتمام شديد، حاولت ان تهمس له في رجاء ان يترك عنه ذلك الكتاب، وانها لم تأذن له… لكنها لم تجرؤ، توجس لما هو مكتوب فأنشده في قلق :

 

(…آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دم

ميت الساقين محموم الجبين

تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي

تائها في واحة خلف دار من سنين".)

 

ولم تمهله ان يستزيد، فاختطفت ذلك الكتاب من بين يديه، وتذرعت بأمر لم يقنعه في حينها، وان هذا الكتاب هو أطروحة قديمة من جامعة "السوربون" لنيل إجازة الدكتوراة وأن ترجمته إلى العربية ليست دقيقة، لكنه من وقت لآخر وفي مناسبات عديدة ولغاية يصعب إدراكها، كان يرجوها باصرار أن تمنحه ذلك الكتاب … ولو لمرة واحدة!

 

وبينما كان بعيداً عن قريته معدماً يجوب بقامته النحيلة مقاهي شارع الرشيد وابو النواس بين بغداد الرصافة والكرخ، كانوا ينقلون إليه البشارة بالتمام والقبول وبأن "إقبال" قد رضيت به زوجاً وما عليه إلا ان يحضر لإتمام الزفاف، استوقفه الأسم للمرة الاولى وشغله عن فرحته بهذا الحدث، وعبر الطريق على عجل إلى محلة "المنصور" قاصداً دار الترجمة حيث تعمل "غيداء" ، ولما لم يجدها ، يمم شطر الرصافة حيث تقيم، بحث عنها في النزل المطل على جسرالشهداء، غمرها سرور كبير لحضوره المفاجىء فاستقبلته  بابتسامة صافية  لم تلبث أن تلاشت حين طالبها بلا مقدمات وبصوت لاهث أن تمنحه ذلك الكتاب… قائلاً  بإلحاح: سأتصفح بعضاً من فصوله فقط … وأمامك هنا، ولما لم تجدِ محاولاته، لخص غايته في سؤال مقتضب : لمحت أثناء تصفحي له إسم "إقبال" فمن تكون؟؟

 

بعد سنوات وعلى سرير جللته ملاءات بيضاء ناصعة إلى جانب أنبوب دقيق يقطر بما تبقى من نبض في وريد متعب ليمنح جسده الهزيل  دفقاً يسيرا من حياة هي أقرب للموت ، كان يتذكر في  إحدى صحواته ذلك المقطع  الشعري ويردده وهو يجزم بأنه لم يكن  لشاعر آخر، وإنما له… على فراش الموت تنشط الذاكرة إلى جانب الهذيان، ومن خلال حشرجات واهنة كان يهمس لمن تحلقوا حوله: لقد كانت تلك سيرتي … وتلك كانت قصائدي، وأما الأسم فقد كان لزوجتى… كيف لم تمنحني تلك المرأة سرها… الذي هو سري؟؟!

 

(2)

 

انتظرت " غيداء"  ثلاثة أسابيع هذه المرة قبل ان يحين دورها في الحصول على كراسة الشعر، وكانت كلما تسلل إليها الحنق أمام هذا التهميش تعزي نفسها بجديد الشعر عله يتطرق إلى ذكرها  ولو بمقطع عابر، إحتضنت كراسته اخيراً بعد أن سلمها لها "السياب" تحت شجرة السدر الوحيدة في دارالمعلمين العالية معرباً عن إمتنانه المسبق من إعادة الكراسة إليه في اقرب وقت، لم يكترث للضيق الذي بدد شيئاً من سرورها على ضوء ما قاله، لكنه تدارك مبرراً بقليل من الحياء: عزيزتي هناك أخريات… ينتظرن دورهن.

 

أمام دجلة ومن شرفة النزل المطل على جسر الشهداء، أخذت "غيداء" بزمام الامسية باكرا لكنها لم تقدها إلى نهاية المطاف، بل أعادتها إلى نقطة الصفر مع "السياب"، لتبدأ من جديد… طوت كراسة الشعر على خيبة جديدة فركنت إلى صمتها وهي تنظر لشموخ النخيل على ضفاف دجلة بعد الغروب …كيف تحصده العتمة، ولم تفق إلا على هاجس "الأطروحة"، إن لم يقل شعراً يوثق به وجودها كصديقة أو زميلة أو حتى عابرة سبيل فلن يكون هناك أدنى مبرر للتعديل عليها أو إعادة طرحها، أسلمت نفسها لنفحة عابرة من هبوب خريفي فمالت على حائط الشرفة وهي تضمر أمراً وقالت لنفسها في تجرد تام: مسكين هذا الشاعر… مسكين هذا السياب من أين له ان يعلم؟!

 

تفوح كراسة الشعر بعطرها الآدمي تنشقته " غيداء" مع كل صفحة طوتها، غمازتاها تطلان من بين السطور فترتعش الفواصل ثم تذوب في السياق، وشاية الحروف المتصلة لم تضف شيئاً، فهي تعلم بأمر " لبابة"، حين يرتعد الجسد النحيل أمامها في كل مرة، تنطلق القصيدة، وسمتها "غيداء" بالحب الخامس للشاعر "للسياب" وافردت لها خانة مستقلة وواسعة أسفل القائمة تحت بقية الأسماء الأربعة، وصلت دار المعلمين باكراً فهي لم تنم ليلة الامس، جلست تنتظر فوق مقعد حجري في الحديقة المقابلة للبوابة الرئيسية، كان طلبة السكن الداخلي أول القادمين حين عبروا من بوابة فرعية ربطت بين الجانبين، غسلوا وجوههم بالندى في صباح يوم خريفي ينذر بطقس معتدل في ذلك اليوم، توافد الجميع فامتلأت ساحة التجمع المركزية وفاضت حتى تجاوزت بهم حدود الحديقة، ترقبتْ حضوره في قلق وافضت للنخيل من حولها بسر: إن لم يأتِ فسوف أذهب إليه… وحين توجه الجميع -كعادة مألوفة- نحو لوحات الجدار الموزعة على صدور المباني الداخلية للوقوف على آخر المستجدات من إعلانات، ونشرات أكاديمية، قبل الولوج إلى قاعة الدرس، أدركتْ " غيداء" بأن ما أضمرته لاحقا قد تكفلت بتنفيذه بضع أبيات قليلة، تردد الهمس بانفلات غير مقصود لضحكات مكتومة تبادلها بعض الطلبة الشباب ممن يعرف "السياب" ، بينما أحست كل الزميلات بأنهن هدفاً لذلك الهمس وعلى وجه الخصوص من كن على تواصل معه في إحتضان كراسة شعره، لم يرق الأمر لأحد، نفثت " لبابة" سحابة صغيرة من جام غيظها أمام لوحة الجدار وهي تهمس لرفيقتيها: كيف يجرؤ؟

 

  هرعت غيوم ورياح خريفية غطتا غابة النخل ساعة السحر، ميزها " السياب " من مكانه … إنها " جيكور" لم يبق إلا أن يفيض نهرها فتكتمل، ووجه يغمر الأرض بحنان كالمطر، يدنو من باب حجرته الصغيرة، ينثال ناعماً يبدد وحشة الدار حين تطرقه اليد الحانية، أتراها الرياح ككل مرة أم أنها أمي…؟ تراقصت اهدابها، إنها هي… أماه  تفضلي… تفضلي…، أطل وجه " غيداء" من بين ظرفتيه وهي تبتسم: مساء الخير … إنها الظهيرة!

 

عدل من جلسته فوق السرير بصعوبة بينما واصلت عيناه تبحثان عن شيء مفقود ومنذ زمن، أفاق على صوتها دعاها للدخول بنصف إشارة خائرة من يده، جلست إلى حافة السرير في تأمل لهذا الكائن المعدم النحيل وهو يلوذ بفراشه، فأشفقت عليه، لمست جبهته ففزعت: أنتَ تغلي كجمرة! مابك؟

-       كيف تسللتي إلى هنا؟ ماذا لو ضبطكِ الحرس؟ كما انها ليست المرة الأولى… لستِ في "درم" أو "لندن" لتقتحمي سكناً للطلبة…

-       لا عليكْ… أنتَ تحتاج إلى عناية، سأجلب لك الدواء…، غمستْ منديلها في الماء، طوقت به جبهته ثم غادرت دونما إبطاء.

 

يا ليتني أصبحتُ ديواني ((

لأفر من صدر إلى ثان          

قد بت من حسد أقول له      

يا ليت من تهواك تهواني     

ألك الكؤوس ولى ثمالتها     

     ولك الخلود وأنني فاني؟))

 

في مكتب عميد الدار، كان الدكتور "متي عقراوي" يثير زوبعة محدودة، حين سلم السياب نسخة مشفوعة بتوقيع تذيل أبياته القليلة، إستدار حتى صار قبالته ثم قال وهو يربت على كتفه الضامر:      

-       هذه واحدة من عشرات النسخ التي ملأت جدران هذه الدار، لا ينبغي لهذا الشعر الجميل أن يوظف للتشهير وبهذه الطريقة…

-        

أصابه بعضُ الخجل، وكثير من الحيرة، ولما لم يعلق كان الأمر يشير لحسم مؤقت، ما لبث أن تحول في وقت لاحق إلى حيرة سوداء، "تغلبت حيرة السياب على خجله"، هذا ما أفضى به "سليمان العيسى" لبقية الزملاء في مقهى "عرب"، أكد له البعض أن "غيداء" كأنت اول الواصلين في ذلك اليوم،  لم ينقم عليها، أحس بنفسهِ تدين لها بالكثير، لحنان مشبوب أحس به تحت وطأة الحمى ولمنديلها الذي بات ليلة كاملة في فراشه، لم يعاتبها، واكتفى بالسعي لتبديد حيرته: فقط أخبريني… كيف علمتِ بتلك الأبيات، لقد كتبتها قبل ليلة واحدة فقط، ولم تزل حتى هذه اللحظة حبيسة الأدراج… لم تدقق أوتُنقحْ بعد!!

 

(3)

 

ينحل البياض تدريجيا، لتسبح ألوان اخرى باهتة في فضاء الغرفة، رنين المعول  الغامض يقوده إلى نبض الأجهزة السريرية، تحاصره الملامح إلى جانب الاجهزة وهي تقترب من سريره ثم تنزوي على مقربة من حافته بالتناوب، يميز همسها واختلاف ملامح أصحابها وهي تتضح وتصفو شيئاً فشيئاً، حتى تكتمل، يلقاها بابتسامة باهتة ووجه شاحب تلك العيون المحدقة، فتنكمش ملامحه وتمعن في الذبول، ويهتز انبوب دقيق تدلى إلى جوفه الضامر، ثم يتابع: وهكذا تغيرت " لبابة" فلم تعد تطلب مني كراسة الشعر، أو تميط عن وجهها " البوشي" في وجودي، ينداح صمت المتعبين فيسكب شعراً هو آخر ما يملك على دفتر أخفاه تحت الوسادة، ثم يخرق الصمت متطلعاً بالحضور،هل بَدَرَ مني ما يسيء؟؟ وقبل أن تأتيه الإجابة يعتذر بحرارة، لم يعد يسأل أحداً عن صوت المعول الغامض، فقد كان وقتها على يقين بأنه المعني، وان الصوت لا يسمعه أحد سواه، ثم يذوي بلا وعي في غيبوبة أخرى.

 

يُلحْ بشدة، فيحظى بنصوص شحيحة "لشكسبير" وقصائد مبتورة "لإليوت" وعلى فترات متباعدة، تذرعتْ " غيداء" أمامه بضيق الوقت، فالترجمة تحتاج إلى تفرغ تام، لكنها حظيت بكراسة الشعر على مدار اليوم ولأشهر " فالسياب" ، لم يعد يحتاجها إلا لتوثيق ما يكتب من جديد، وكلما التقيا تحت تفريعة "السدر" بادرته في لهفة غامضة: ها … ماهو جديد الشعر لديك؟ يناولها كراسته في ضيق ثم يمضي دون إجابة، راح يبدد أمسيات الربيع الرائقة في حي "الوزيرية"، بين الجلوس في مقهى "عرب" المجاور لدار المعلمين العالية وبين المشي وحيداً تحت أسوار البيوت الوارفة، يقوده شيطان الشعر الجديد إلى رفاق الدار، يحتسي الشاي بنهم يفرك جبهته حين تضيق الرؤية، ويقوده سلطان الحب نحو بيت لا يعرفه تقطنه "لبابة"، "لا بد انها تحت عريشة ما يظللها النخيل المكلل بعثوق التمر" غالباً ما حدث نفسه بهذا، تمادى ذات مساء مأخوذاً بسحر المكان فراح يتلمس أسوار البيوت الوادعة، ينتقي أناساً خلفها ركنوا إلى مقاعد خشبية مزدوجة يثرثرون في إسترخاء، تمادى في توغلاته المهجوسة، فأصطادته الأزقة الضيقة، تجرعَتْهُ لوقت قصير ثم لفظتهُ عند تخوم حي "الأعظمية"  حيث إستمالهُ بعض الصخب، لمح "الشناشيل" وهي تطل على الأزقة من طوابق البيوت العلوية، هالهُ إنبعاث أنغام شجية نائحة، مصحوبة بأصداء خافتة لهمس حورٍ فاتناتٍ توارين خلفه، رائحة الشاي المهيل صعدت إلى رأسه المزدحم بشتى الذكريات القديمة والأخيلة، فحررتها، أطلقت ما تيسر منها، فأرتجت الشعاب عطشى بين نهير يتلوى في غابة النخيل وأقنية هزيلة شح منها الماء فأمتدت يد الغمام لها على إمتداد "جيكور" الجميلة وحتى مشارف شط العرب، فلا تلبث أن تبرقَ السماء فيلوح حيث تعرج النهر، وحين يتبعها الرعد يرنّ قاع النهر ويرتعش السعف، ثم يهطل الغيث ويفيض على جنباته فيبتلع الرطب، كم سنة مضت على رحيلها؟ عانقتني يوم ولادة أخي الاصغر، بدت واهنة، لم تستجب عيناها لرجائي لكنها أحتضنتي بما تبقى لها من قوة وأطالت حتى سرى خدر البيات في جسدي الصغير وغلبني النعاس فنمت في حجرها حتى الصباح، كان صباحاً عاصفاً إنتزعني والدي من دفء يديها إنتزاعاً: عليك اللحاق بالمدرسة… أمك بخير.

على اعتاب غرفتها وأنا أغادر مرغماً أصغيت لها تعيد وصية الأمس بنبرة واهنة حزينة هي أقرب للتوسل: إبننا "بدر" يحتاج إلى حنان مضاعف… فأرفق به.

 

كنتُ أقتص "لأحمد الناطور" حكاياه المجتزئة بالمرور عن عمد، غير آبهٍ بجنّية البستان، حين برزت فجأة سقائف غريبة تناثرت فوق بستان النخيل، وَثَبَتْ على جذوعه العارية فأظلّها السعف، تسمرتُ في مكاني مشدوهاً تائهاً ترددتًُ بالعبورغير مصدق لما أرى، يدٌ رقيقة قبضت على معصمي برفق،  شجعتني لأمضي، سرتُ خلفها مرغماً ومسكوناً بخوف طفولي، كانت في عُمر أمي، أفضتْ الطريق إلى جموع غفيرة لنسوة يعملن على فرز التمر وتخزينه، بشرة سوداء فاحمة وشفاه غليظة، ميزتهن من بين شقوق السعف المجدولة للسقائف، على مقربة من تلك الجموع ترامت أرض سبخة غاص فيها رجال سود بسيقان عارية حتى الركبتين، جباههم سوداء داكنة، وشفاههم غليظة تشققت بفعل الملح والريح، نظر السود كلهم نحوي تركوا كل شيء تقدموا صفاً واحداً، جفلتُ على صدى تصفيق جماعي مفاجىء، وبينما كنتُ أرتجف كان كل واحد منهم ينحنى بإجلال نحو ذلك المصدر الغامض، أفلتُّ يدي من قبضة الجنية، وأخذت أسابق الريح لألحق بالدرس.

 

حنى من قامته أمامي ليسكب غيظه التربوي المبتذل بأثرٍ حاسم، معقباً على تبريري له بنبرة تهكمية لاذعه:

- الزنج … تقول أنك مررت بالزنج!!!

- لا أدري … لقد كانوا عبيدا

- لقد رحلوا منذ ما يزيد عن ألف سنه عن هذا المكان ثم تقول أن

  جنيّة قادتك إليهم… ورأيتهم وهم يكسحون الملح…!!؟؟

 -  بلى…

 -  ….هناك بالقرب من "جيكور" ؟!

      - بلى …

 

أحكم رتاج الباب خلفه ورجع، تلك الغرفة الملعونة توسوس للجميع بعقاب صارم، وحدها الريح تزحف نحو المدرسة تعبر من ثقب الغرفة المرصودة أولاً ثم تركض خلفنا، في ذلك اليوم طاردتْ رياح الخليج كل التلاميذ، دحرتهم باكراً نحو براري"أبو الخصيب"، كان صوته يتلاشي وهو يبتعد: ستبقى حتى الظهيرة، لتلتهم فئرانها لسانك، ليس صحيحًا ان تأتي متاخراً خير من ان لا تاتي ابداً…

 

تعود الريح بعد غروب الشمس، بعد أن تنبهت لوجودي، نسيتني هناك حين غفوت … مثلما نسيني الجميع، كانت برودتها تلسع أطرافي، ووجه يغمر الأرض بحنان كالمطر، يدنو من باب الغرفة المرصودة، ينثال ناعماً يبدد وحشة المكان حين تطرقه اليد الحانية، ليتها أمي، تراقصت اهدابها، إنها هي… أماه  أنا هنا…

شهقتْ صاحبة الوجه مذعورة حين رأتني أغط في العتمة ظننتها جنية البستان في حينه، لكنها غدت مألوفة، الآن أعرفها، إثني عشر عاماً مرَا ولم أعرفها إلا هنا… في باحة البيت الرحبة لم يلحظ أحد غيابي، تحلق أفراد العائلة في وجوم، كلهم، إلا أمي، تجالسهم الطير في سكون مريب وكأن مولداً قد إنفض للتو، عبرتُ إلى غرفتها، كانت موضبة إلى حد الفزع، لحقت بي جدتي، وهي تقول لا عليك يا "بدر" ستعود… بضعة أيام فقط وتعود، إثنتا عشرة سنة مضت مسرعة… لم تتسع لأنتظر وهي بدورها لم تعد.

 

(4)

 

درب "الملايات" مقفر، تجتاحه الهواجس كلما تردد صوت "الجالغي البغدادي"، خلف إحدى"الشناشيل" كان يعلن السياب عن سر الحياة البسيطة، الدافئة التي ينشدها، وعن مرور الوقت بالسرعة القصوى، وعن سر التبصر ونشاط البصيرة، وأن إستعادة الوقائع المهملة لطفولته في "جيكور" بهذا الوضوح اللافت، إنما هو دلالة أكيدة على ذلك النشاط المفاجىء، تلك المغالاة لم تقنع احداً ولم تعطِ مبررا مقنعاً لإختفائه طيلة الأيام الماضية، مما حدا " بغيداء" وبعد أسبوع واحد على ظهوره إلى مراجعة الأطروحة بشكل دقيق للوقوف على تفاصيل المرحلة، إستعانت بمراجع تاريخية إضافية تناولت حياة السياب بشيء من التوسع والدقة لكنها لم تفلح، فغالباً ما تقتصر تلك المراجع على سرد وقائع معروفه من دون التطرق للخبايا والتفاصيل لتظل سراً لا يطلع عليه احد.

 

قبل أن ينتصف الليل غادرتْ نزل المغتربات لتسري عن نفسها بعد عناء بحث طويل لم يجد نفعاً في الوصول إلى سر إختفاء "السياب" المفاجىء ثم ظهوره على تلك الشاكلة المختلفة، كان جسر الشهداء تحتها يحجب قسطاً يسيراً من مياه دجلة وبعضاً من قوارب " البلم" الطافية على جانبيه، بعضها كان يشق عباب الماء ببطء شديد في نزهات ليلية توشك أن تنفض، "البلم" الوحيد الذي قطرتهُ المياه نحو مصدر الضوء أسفل الجسر، كان يطفو بحمل لشخصين ميزت " غيداء" احدهما من بعيد، لم تصدق أول الأمر، ركضت فوق الجسر ثم إنحدرت على جانبه نحو مرسى الرمل، وقفت مشدوهة أمام صدفة لا تصدق، كان "السياب" يأخذ بيد إمرأة يافعة نحو رمال الشاطىء بلطف مفرط، تثنى قوامها رشيقاً بينما تنحسر العباءة قبل ان يصعدا وحيدين في ظلمة الشارع لتكشف عن عينين مرسومتين بسواد كحل السهرات وخصلات صفراء منسدلة، لم يلتفتا نحوها، فدارت كؤوس الصدمة في رأس " غيداء" سريعاً لكنها لم تستجب لِما رأت وانكرتْ أن يكون قد حدث، حتى تجرعتْ خمرها دفعة واحدة مع خيوط الصباح.

 

 

بعد تجواله المسائي الأول في درب " الملايات" بالأعظمية، عاد "السياب" ليحدث الجميع عن لذة جديدة للشعر، لذة خالصة تكمن في الإصغاء أولا لما يغنى، ثم للتفتح الذهني المرافق بصفاء مطلق، كان يتحدث بفرح لافت أمام زميليه " سليمان العيسى" و"علي الملا إسماعيل"،  في مقهى "عرب" أصغيا باهتمام غير مسبوق لبرهة، ثم أطلقا كامل العنان لخفة الظل: هذا رديف الخمر! قال له "العيسى" فأين الجديد يا "بدر"؟؟ إنتصب واقفاً بقامته النحيلة فسقط ظله على أرضية المقهى بلا تفاصيل وهو يردد: الجديد… يكمن في سحر الإنشاد لشعر مرسل تحكمه الضوابط البسيطة دون ان تقيده … خلف تلك "الشناشيل" …

 

لم يكتفِ واصل مدفوعاً بغريزة غامضة، حملته الامسية في اليوم التالي لنفس الزقاق، عاد ليسترق السمع في شغف ذهني، تردد الشعر حياً خلف ذلك البيت، محمولا على وقع آلاتٍ شرقية عمرتها "الدفوف" وصوت "السنطور"ثم"الجوزة"  فتسمر تحت الشناشيل، مخموراً بعذوبة الصوت الشجي المنبعث "يا من هواه أعزه واذلني…" ثم بالخاتمة حين تقفل بمقام الصبا وبـ"بسته" … شلون حالي شلون…،

صرير ذلك الباب الثقيل تكفل بالصمت فزعزع أركانه، تناثر الضوء على ارض الزقاق ثم إستقام أسفل  قدميه، وقبل ان يلتفت كان صوتٌ خشنٌ لا ينتمي للمكان يناديه: يا أفندي… يا أفندي… من فضلك تفضل…

تطلع حوله، لم يكن أحد سواه، وظل إمرأة كهلة حنت ظهرها نحو الطريق، عبَرَ الباب دون تفكير، تلقفته فسحة سماوية رحبة يغسلها النور بذبالة جذلى لمصابيح فارسية تدلت من رفوف الطابق العلوي، حفها نبات عطري ومقاعد خشبية مزدوجة مرصعة بنقوش أثرية قديمة، تعثر وهو يخطو أمام جوقة النساء في إستراحة الشاي المهيل ثلاثة منهن جلسن جنباً إلى جنب فوق مقاعد رخيصة من القنب وأخرى بدت مختلفة تجاوزتهن عمراً وهيبة، تقدمت منه بمشية رصينة، رفعت عن رأسها البوشي وحدثته بلهجة صارمة: يا افندي منذ يومين وانت تركن للباب في مثل هذا الوقت..تارةً كأنك تصغي لهاتف ما مغمض العينين، وتارة أخرى تحدثُ اشباحاً بلغة الإشارة،  لمحناك من خلال الشناشيل… فما شأنك؟

- كنتُ مأخوذاً بسحر الصوت، هل كنتِ انتِ سيدتي من يشدو بتلك المقامات؟ …هكذا حالفته البداهة في خضم الذهول، حين ظن لوهلة بانه يحلم وأن ما يراه الآن ليس إلاّ إمتداداً بديهياً لصفاء ذهنه المفرط…

-  نعم … أفندي كنتُ انا …

-  لا أصدق… ظننتُ انني أصغي لصوت آخر… لـ"صديقة الملاية" أو "سليمة مراد" على الأرجح!!!

لم يعِ حقيقة الأثر البالغ االذي احدثه التشبيه، على نفس تلك المغنية، إلا بعد مرور وقت طويل، كان لتلك الأسماء اللامعة وقعها المميز على مسامع الحضور وامام جوقة " الردادات" تحديداً، تهلل وجهها ورحبتْ ببقاءه، تبادلا تعريفاً مقتضباً: أنا "سماح"، ثم صفقت للجوقة إيذاناً بانتهاء الإستراحة وبالعودة من جديدة لإتمام التمارين.

 

طاردته بعينين كحيلتين وشَعرٍ أصفر على دكة النوم في سكن "الدار" حتى خيوط الفجر، زحف النهار ببطء شديد نحو مساء اليوم التالي حين تغلب طيف الملامح على عذوبة الشعر المغنى لدى "السياب"، لم يلتحق بزميليه في مقهى "عرب" ولم يطرأ جديد على دار المعلمين في ذلك النهار، سوى أن "غيداء" اعترضته وهو يغادر قاعة العلوم الإنسانية، حين سدت امامه الطريق، لتدعوه باصرار إلى مرافقتها عصر اليوم التالي إلى سوق"السراي" فأومأ بالموافقة ثم مضى، في تجاهل مقصود.

 

عندما تحرر المساء بعد إنتظار طويل، كان "السياب" يتهادى فوق إحدى عربات الخيل الواسعة إلى جانب الحوذي، قاصداً ذلك الزقاق في حي الاعظمية، عند عطفة الطريق الضيقة إستوقفه هناك وطالبه بالإنتظار، هرول نحو آخر الزقاق ففتحت له العجوز قبل ان يطرق الباب، تبادلا تحية مبتورة، اسعفته البصيرة في تمييز "سماح" من بينهن جميعاً لإمتلاء قوامها حين خرجن امامه يرفلن بعباءات قاتمة منشاه بطيب الحفلات المسائية، تضم كل واحد منهن آلتها العزفية إلى صدرها برفق، وحدها العجوز تعود ادراجها بعد أن سلمت له رزمة من شموع الكافور مغلفة بأوراق نبات الياس وبضع طاسات من الفضة، في الطريق إلى جادة أبو أقلام من حي الكرادة همست له "سماح" من وراء برقع سميك: أرأيت كم هي حاجتنا إلى رجل في مهنتنا هذه؟ فكيف به إن كان شاعراً؟

 

في أمسية الحناء تلك، وتحت عرائش العنب شاطر السياب المدعوين من الرجال إحتفالهم واحاديثهم حتى تلاشى شعوره بالخجل والإنبهار ببذخ الأثرياء، ثم دارت عليهم كؤوس العرق المستكي فلم يجد مناصاً من المجاراة فأسرف حتى  الثمالة، بينما توارت "سماح" بعيداً في قاعة داخلية من القصر حيث يعلو صخب النساء ،

 كل ما علق بعد تلك الامسية هو سقف الحجرة الموشوم بزخارف ملونة ووجه "سماح" بملامح هلامية مشوهه إلى جانب وجوه نسائية اخرى غائمة، وأصوات بعيدة متداخلة تقضي بوجوب بقاءه حتى الصباح، ليس من اللائق ذهابك لسكن الدار وأنت بهذا الحال … يرد عليه الصوت وهو يقترب كلما حاول النهوض، ثم دثرهُ سواد فضفاض وهو ينزلق نحو بئر سحيقة حجبت عنه تلك الوجوه ، قبل أن تهمد أطرافه في ذلك المكان.

 

ميز الزخارف الملونة اولاً ثم مصدر الضوء الغامض الذي ينفث هواءً ساخناً نحوه، لم يكن بأفضل حال كان الصداع يمزق رأسه ويفقده التركيز، حاول النهوض مراراً لكن ساقيه كانتا لا تستجيبان لشيء، حتى وقع في تلك المحاولة فاندفعت نحوه الخادمة العجوز تسنده وتأخذ بيديه كي تعيده إلى السرير، ما الذي حدث؟؟ أين انا؟؟ خاطبها في قلق وحيرة… لكنها لم تجب وأسرعت تغادر الحجرة وهي تردد: سأخبر السيدة… حمداً لله على السلامة…

 -   إنها الحمى أليس كذلك ؟ قال " لسماح" وهي تعصر خرقة بيضاء قطنية من بقايا ماء عالق

 -    نعم لقد أخفتنا… ظننا انه الإفراط في تناول المشروب، لكن الطبيب أكد لنا انها حمى عابرة…

 -    الطبيب!!!

- نعم لم تكن في وعيك، كنتَ تهذي حاولتَ الوقوف فسقطت، يبدو ان لهذه الحمى أثراً قوياً على ساقيك…

 

إعتذر امام صاحبة الوجه الذي إستعاد نضارته عما سببه لها من إرباك ثم ساوره قلق شديد حول أسباب هذه الحمى التي تداهمه من وقت لآخر، وأن آثارها في تزايد مستمر… فقد هاجمت ساقيه هذه المرة… وأفقدته وعيه  

 

مع الليل كان يستعيد جزءً يسيراً من عافيته، صحا على أنغام بات يعرفها جيداً، تنطلق مع إستراحة الشاي، "الفونوغراف" بصوته الرخيم يصدح بالمقامات "للقابنجي" و " صديقة الملاية"، راح في سكون الليل، يرتب الأبيات لكل مقام، يردد البستات  ويستبدل مفرداتها المحكية بلغة فصحى، يردد بينه وبين نفسه: هذا أفضل… هذا أفضل… ثم يطل من فوق سريره صوب الزقاق المقفر من خلال الشناشيل فيبتسم لغرابة الدنيا وتبدل احوالها، ثم يغلبه التعب فينام.

 

(5)

 

عثرت "غيداء" على رابط مذهل في بحث قديم أعد لنيل الدكتوراة من جامعة "السوربون"، قفزت عن سريرها وأخذت تذرع حجرتها في ذهول، ثم إستدارت نحو رزمة الكتب والمراجع الجديدة، تصفحتها في شغف واحدا بعد آخر، قفزت عن وقائع كثيرة تعرف بعضها مسبقاً واخرى عاصرتها بنفسها مع "السياب"، لكنها كانت تصل في كل مرة إلى معلومة محددة وثابته، مكررة بلا تفاصيل

 

 

(( نشر السياب أولى قصائده في جريدة الأتحاد)) نبشت حولها بعناية في كل المراجع علها تجد ما يشير إليها فلم تصل لشيء.

وجدت نفسها فقط مع غبش الصبح أمام نتيجة مروعة ومؤلمة لخصتها في ضياع الوقت وعجزها عن إحداث أي تغيير فعلي، وان دورها بات محصوراً فقط بتنفيذ ما هو مقدر له ان يحدث سلفاً.

 

قبل إختفاءه الغامض بيومين كان "السياب" يشق طريقه نحو أكشاك الكتب القديمة في باب المعظم، ثم يقف امام واحد تكدست على رفوفه الخارجية كتب صفراء إلى جانب صحف يومية نشرها على إمتداد الواجهة، باب المعظم هو نقطة إلتقاء محتملة حيوية يقصدها الجميع في تنقلهم اليومي بين ضواحي بغداد حيث المحطات الأخيرة لحافلات الامانة، لمحته غيداء يتصفح إحدى الجرائد، تسحبتْ خلفه في هدوء كي تفاجئه،  لكنه إستدار بهدوء مماثل، فهتفت بأبتسامة صافيه: كيف عرفتْ؟ بادلها الإبتسامة بحذر شديد ثم إستردها ببطء تدريجي ولم يعلق.

 

 سارا مشيا نحو الوزيرية حيث دار المعلمين العالية، ران صمت ثقيل بينهما لم تعتد عليه غيداء، فبادرته باعتذار عما حصل، فرد عليها:عن أي شيء تحديداً، عن نشر تلك الأبيات على الملأ، أم عن حجم الالم الذي سببته لي يوم وفاة والدتي؟

 

عجبتْ لعمق بصيرته وتألقها، ولم تخف صدمتها إزاء حديثه، لكنها إستوقفته لإستيضاح المزيد، كيف ذلك وما شأني بموت والدتك؟ ردت عليه بإنفعال مبتذل فأدرك أنها تراوغ، هيأ نفسه لفزع محتمل، فلربما قال ذلك غير واثق مما رآه حين إستعاد وقائع طفولته المهمله، اما هي فلم تجد مناصاً من رأب ذلك الصدع بتأكيد ظنونه أولا ثم بتبرير ما حدث لاحقاً،  نمت لديه حيرة خفية وشعورعميق بقلق غامض وهو يصغي لما تقول: لم يكن ذنبي ، هناك رأيتك للمرة الأولى في حياتي عند بوابة المسرح القومي بمدينة البصرة، كنتُ بصحبة والدي، وكنتَ طفلا خجولاً ظهرتَ وحدك من عدم المكان بين يديك حقيبة مدرسية بالية من الكتان، وقعت عيناي عليك كنت خائفاً وخجولاً، دعوتك للدخول فأذعنت ، شدتك المسرحية أو أذهلتك… لا أدري على وجه التحديد فقد كانت عن ثورة الزنج، وعندما صفق الحضور في نهايتها قفزتَ مرعوباً وانت تصرخ أطلقت ساقيك للريح فلم اقدر على مجاراتك، إستاذنت أبي ولحقت بك، لم أعثر عليك كنتُ وحيدة بين غابات النخيل، وكان الجو عاصفاً، دلني البعض على بيت العائلة، بحثت عنك بين الحضور، لم تكن هناك، ووجدتُ جنازة يمم مشيعوها نحو تلة مجاورة، أشفقتُ عليك عندما علمت انها امك، لم يتنبه أحد لغيابك، سواي، دلني البعض على مدرستك، وصلتها عند الغروب، لست ادري ما هو الدافع، ربما حدس قوي، عبرتُ غرفة التوقيف، ثم حررتك، فما ذنبي؟؟

 

سحبته نحو القاع عبر دوامة أكبر، قبل ان يفترقا من دون تعليق عند بوابة الدار.

 

 في صباح اليوم التالي هبطت "غيداء" سلم النزل مسرعة نحو ردهة الزوار، تهلل وجه رجل أنيق جاوز الخمسين من عمره حين رآها مقبلة، لقيته بفرح هستيري وهي تهتف: الغالي ناجي العبيدي…متى عدتْ؟ ، سلمها رزمة مغلفة بعناية وهو يقول: هذه نسخ لمراجع وأبحاث تهمك من جامعتي "السوربون" و "درم" أرسلها والدكِ حسب الطلب…، ناولها مغلفاً بريدياً أيضاً، وقال: هذه رسالة خطية منه، تبادلا حوارا حميماً، حدثها عن إنتقال العائلة للإقامة في "نيوكاسل" لأسباب مجهولة مع إحتفاظ والدها بوظيفته في جامعة "درم" كأستاذ في الادب المقارن، تطرق الحديث لدار المعلمين، عن جيل المبدعين، سألها عن جماعة الشعر " أخوان عبقر" عن نازك الملائكة، وعن زياراتها للدار حتى بعد ان تخرجت منها، وعن جريدة الأتحاد التي يرأس تحريرها، قاطعته بسؤال عن " السياب" إن كان قد إلتقاه أو سمع بأسمه، اجاب بالنفي، فأسهبت بالشرح حول تميزه وإبداعاته وانه أحد أعضاء جماعة الشعر، وانها ترغب بشده في تعريفه بالسياب ليستمع إليه ثم يحكم عليه بنفسه، ثم منحه فرصة النشر على صفحات جريدة الاتحاد، أطرق "العبيدي" قليلا ثم قال بنبرة جادة: عزيزتي… أما النشر فهذا يتطلب مني قناعة عميقة بموهبة الشاعر، واما لقاؤه فلا مانع عندي، نلتقي غدا في مقهى "الزهاوي" … بالقرب من سوق " السراي".

 

عند الظهيرة  وفي دار المعلمين، تحينتْ " غيداء" فرصاً عديدة لإبلاغه، لكنها لم تفلح امام صدوده، كان إذا لمحها تسير نحوه تراجع مغادرا ذلك المكان أو زج بنفسه إلى أقرب مجموعة يصادفها من الطلبة، تربصتْ حتى ظفرت به وهو يغادر قاعة العلوم الإنسانية فأستوقفته على مدخلها بعد أن سدت في وجهه الطريق، فلم يجد مناصاً من الإستماع، أبلغته بموعد اليوم التالي، وان عليه أن يرافقها لسوق "السراي" وأن حضوره هو الأهم، إنتزعت منه الموافقة قبل ان تفسح له الطريق، فمضى دون ان ينبس بكلمة .

 

لم تجد له أثراً في اليوم التالي، ولم يشعر احد بغيابه، تميزتْ غيظاً أمام هذا التجاهل المهين، تنبه البعض لغيابه في اليوم الثاني، مما دعاها للتقصي والتساؤل بعد طول إنتظار، في اليوم الثالث شعر الجميع -الذين يعرفونه- بهذا الإختفاء ونعتوه بالغامض بما فيهم " غيداء"، شرع الجميع بالبحث عنه في كل الامكنة التي تحتمل وجوده مع حلول يومه الرابع ، توزعوا للبحث بمشاركة "غيداء" بعد ان تلاشى غيظها تماما وحل مكانه قلق ح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة نقدية لقصة ناصر الريماوي ” هيرات الغوص ” .

كتبها ناصر الريماوي ، في 2 حزيران 2009 الساعة: 10:52 ص

 لمحة نقدية عن حلم عصري في أقانيم قديمة!
( قراءة نقدية لقصة ناصر الريماوي" بانتظار الشاعرة ـ هيرات الغوص " )

 

رؤية نقدية: سمير الفيل

 

هذا السرد الكثيف ، بتفصيلاته الممعنة في الدقة ، والمشغولة برهافة شعرية ، لا تخلو من إطناب وتنويعات على النغمة الأصلية المائزة ، وبتلك الكيفية الطازجة في رؤاها ، أقرب إلى الحس الروائي ، ففي النص تمكن واضح ، وصحة لغة ، وخيال خصب. وهي عناصر تشي بإمكانيات فنية ناضجة وواعية بالشرط السردي ، ومفاتيحه نحو الإجادة والنفاذية.

 

أعتقد انها رحلة نحو البحر الحلم ، واللؤلؤ المستكن ، والحسناء المبهجة. امتلأ النص بالمصطلحات ؛ فالعمل يحوي جزء معرفيا ، وفيه انطلاق للتماس مع عوالم الغوص في الخليج لاقتناص اللؤلؤ . أما السرد نفسه فيحوي محاولة فيها اصرار للغوص في حياة واقع قد انحسر واصبح قطعة من التاريخ العتيق . ثمة محاولة من الكاتب ليمتعنا فنيا وجماليا و تشكيليا بالانعكاسات الفريدة لهذا المحار الذي تحول مع الزمن إلى شيء ثمين لا يقدر بمال.

 

تبدأ الرحلة ـ وكأنها معراج عصري ـ من أمام طاولة ممددة تحت سقف " المقهى التراثي " ، وتنتهي بمقابلة " الدانة " ابنة النوخذة. إنها أشبه ما تكون بالجارية التي تفتن كل من رآها فتسحره بالكلام والإيماءة . لكن مسار النص نفسه يحوي مساحة للدهشة والأسطرة فقد بدا البطل مخطوفا ومأسورا ضمن " حدوتة " عربية لها نشغ سحري متاصل ، حيث يساق البطل لأماكن لا يعرفها ، وهو يحاول التخلص من مأزقه بلا جدوى . إنه متورط بمعرفته وهم مأخوذون لماضيهم ولن يلتقي الطرفان إلا بصعوبة بالغة .

 

منطقة وسطى . منطقة متأرجحة في نواياها ومختلطة في ملامحها بين الواقع والخيال خاصة أن القرن العشرين يبقى علامة على زمن حاضر هو زمن البطل فيما تكون الوقائع كلها منتشلة من زمن ماضي ، هو زمن الغوص من أجل اللؤلؤ ، وقد حاول القاص أن يربط بين زمنين: زمن الوقائع اليومية لعناصر الغوص بكل تراثها الخبيء وبين عصر قائم في الراهن يعتمد على رقاع مليئة بمعلومات ، لا أكثر . يجمع بينهما البطل في ترحاله وخيالاته. والبنت التي اختطفت قلبه تنتمي لهذا الماضي البعيد ، وهو يرقب الرحلة من مبتداها حتى منتهاها.

 

مثل هذا النسق من الكتابة يحتاج إلى كم معلوماتي هائل كما يحتاج في نفس اللحظة إلى تدفق تخييلي ليصبح التضافر طيعا ، وطبيعيا.

 

هناك موازة في الأحداث بين قافلة البر والإبحار في الخور وثمة غلالات تحيط بالمشاهد خاصة فيما يخص الهودج ـ وهو يلتصق في ذاكرتنا بما يحمله من نسوة حرائرـ ولكن يبدو أن البطل قد دخل طرفا في الرحلة فقد اقتيد إلى غرفة غامضة في سماتها اقتيادا قسريا مع أنه يحمل " الرقاعة" ، وهذا لم يعفه من أن يكون محل شك كبير ، و تساؤل مستمر .

 

يتسمع البطل أهزوجة تفيض بعذوبة الصوت الجميل ، ويجد نفسه في إحدى " البراجيل " في انتظار عودة النوخذة . يتبع الخادم في الطريق إلى البلدة حيث تحيط بالأخوار ، والكل في انتظار يوم " القفال" وعودة مراكب الصيد محملة بالخير.

 

فيما يبدو فالبطل من زمن مغاير ، يدل على ذلك استغرابهم من شكل ملابسه ومن تصرفاته. إنه قادم من زمن متقدم فيما الزمن الفني للنص يدخلنا لزمن مختلف عرف أمجاد الغوص وأهازيج " النهام " والرزق يفيض فيملأ الجيوب بالمال ، والقلوب المسرة.

 

رقعة موقعة بأزمنة لاحقة. نفس الجدل القائم بين الأزمنة في صراعها الدائم لامتلاك الحقيقة ، والحصول على الجواهر والممتلكات : اللؤلؤ والنساء الحسان والمسك والعنبر.

 

زمن آفل ومراكب الصيد تتأخر في العودة ، والنسوة بلثماتهن ، والمحامل نفسها لم تصل من مومباسا ، لكان الظروف كلها تجتمع لاستأصال الحلم كي يتحول رمزيا إلى كابوس مميت .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من بوح (رفسة غزال) : تناص لزياد جيوسي

كتبها ناصر الريماوي ، في 29 أيار 2009 الساعة: 15:14 م

(( الكاتبة منى الضاهر هي مبدعه بحق، تستهل بعنوان الغلاف
عنواناً يقود لهوية الإبداع والمبدعين، لتقف طويلا وأنت تقلب هذا العنوان، تمضغه ببطء لتمتصه خلايا التذوق المتحفزةوالمتعطشة لجنون اللغة في مرونتهاوسلاستهاوإعجازها المتاح لنخبة “المبدعين فقط”
رفسة غزال… ألا يستنهض مجسات اللذة الكامنة في المتلقي أياً كان مستوى ثقافته
ليس هذا فحسب، فاللغة المتاحة كمشاع تستدعي “منى” لتركض أو تجري على إمتدادها، تقطف من هذه وتلتقط من تلك، تهجن شكلا جيداً للعبارة النثرية، تولد الجملة والصورة تصطف لتطالعك كحديقة منزل يطل على الناصية.

تنطبع الصورة على شبكية الذهن بصفاء يوازي صفاء اللغة ولفترة تفوق صلاحية الكلمة تلك الصلاحية المفترضة…

أن تبدع يعني أن تاتي بجديد لا أن تجتر دورة اللغة في تكرار جاهز معلب في متناول الجميع…

تناصك رائع يبرز بعض مالم تقله الغزالة من تداعيات رفستها الأسطورية ” بالله عليك يا زياد هل سبق لإحد بأن رصد هذه الشذرة؟ رفسة لغزال يدب بجسم مغزلي…”

هنا الروعة وايضا هناك … ويبقى جنون اللغة المتاح في السكب المغاير للقوالب المكررة…))

"ناصر الريماوي"

 

 

من بوح (رفسة غزال)

2 من 3

بقلم: زياد جيوسي

 

   ويطوي الزّمان السّنوات عامًا إثر عام، وما زلت أحلم بأن نلتقي، أن تجمعنا جدران أنّت من برودة الوحدة. فأسكر بذكراك وأهتف لك (أنت ملكتي.. لا أبغي سواك)، فمن لي بحُبّ (يحمل إليّ لقاح بذور لا تكون إلاّ لسواي) غير حبك. وهل من طيف غير طيفك (أصرّح له بأننّي أحبّه كما النّرجس والليلك والنّار) فأنا لم أملّ الانتظار، وما زلت أنتظر حبّك أن (يعود أسطوريًّا في رعشات أصابعه.. في حرارة جسده..)، فما زلت رغم الغياب الطّويل و(عبق رائحتك لا يتركني)،  وحبك يسكن منّي الرّوح فهو (مخبوء فيها نصل ورد ومرمر).

   كوني معي، عودي من الغياب الّذي طال.. فأنا منذ غيابك من (أفاق على حياة فيها حمائم تحطّ وتطير في أقلّ من عُشر الثّانية)، أنا بحاجة إليك، بحاجة لحمامة تعود وتحطّ ولا تطير من وكنها. وطوال سنوات الغياب كنت من (تحرّكه قدماه لمصعد يعتليه قلبه وزقزقات هناك تناديه ليحتلّ مقعدًا فيها)، فمن غيرك لي حمامة تحلّ السّلام في قلبي المشتعل، (تسكنه ذات المكان وذاته)، ولا تترك أحلامه (أضغاث أحلام وخيالات مقطّرة بما يرقرق الماء وترقّ له النّسائم فتترقرق).

   تجول بي الذّاكرة إلى الماضي، إلى ضمّات الهوى الّتي كانت تضمّنا، حين كنّا نختلي على أعلى التّلّة، أحتضن فيك (امرأة نصف التّاريخ كانت) فترقّ لنا حوريّات الهوى وقد (حللن ضفائرهنّ الطّويلات، تلك النّساء "ربّات الفنون") اللواتي يعرفن ما الهوى؛ فهنّ عرائس الماء حسب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في المجموعة القصصية فوبيا الكلام

كتبها ناصر الريماوي ، في 2 أيار 2009 الساعة: 18:16 م

حين تصبح الفوبيا حالة خصبه ..

قراءة في المجموعة القصصية فوبيا الكلام
للكاتب الليبي عبد الله عبد الله

محجوبة امرير  

إن الفوبيا  نتيجة حتمية للضغوطات التي ساهمت في زعزعت الجانب النفسي للإنسان، ورمتْ به في هوة سحيقة زلزلت أمانه،وشوهت ملامحه، حيث أن قانون الغاب أصبح مؤشرا لحضارة أعطت للبشرية وجها شرسا يأكل الأفراد، ويهدّد استقرارهم النفسي، ويزرع قتامة تشير بأصابع الاتهام إلى هذا  الزمن  (الزمن الشرس).

     فوبيا الكلام مجموعة قصصية،  للقاص الليبي عبد الله أحمد عبد الله، تنطلق من هذه الزاوية عبر دلالاتها اللغوية المتعددة الأبعاد،حيث يقتحم الكاتب هذه المناطق المحظورة والقصية،التي يقع عليها التعتيم وإجراءات الإقصاء، فالكلام هنا هو الأداة التي تنقلنا إلى هذا التشكيل الحاد بألوانه القاتمة، لنستخلص في النهاية صورة للواقع كواقع مشوه، حيث تتراكم سلبياته على عاتق المواطن وإنسان هذا العصر، من هذا الواقع  تأتينا فكرة  هذه المجموعة مع تعدد الأشكال في الرؤية وصور القمع في واقعنا اليومي، بكل ما يحمل من سمات خاصة، ومن توتر وأمراض حضارية متعددة، حيث تعبر هذه المجموعة عن فشل هذه الحضارة في الإرتقاء بالإنسان واحترام إنسانيته، فأصبح منهمكا في صراعه النفسي والفكري والجسدي، ليتحول هذا الكابوس الشرس إلى واقع مأساوي، فجاءت المجموعة بأجواء رمادية ومعاناة صاخبة، بدلالاتها سواء السردية أو اللغوية المكثفة التي اتسمت بها غالبية النصوص، وفانتازيا في نصوص أخرى،وبالرغم أن الفانتازيا عملية خاصة بالحلم لكنها هنا موظفة بوعي كامل في سياق نفسي متعمد، لتصوير حالات القلق، والوجع الإنساني، مما أعطى المجموعة بعدا حادا للعنف والخوف ، لتأتي هزيمة الروح والإرادة الإنسانية،  مآلا سلبيا، (مما أسبغ جانبا من القتامة على ملامح الشخصيات)  ففقدان الإتجاه الصحيح  أثر على حياة الإنسان، وزج به في تقاطيع حياة، شوّهت الحلم الإنساني .

         كما أن العدد بصفته مؤثرا ومتناغما مع الأحداث، يعطي بعدا خاصا للنصوص التي تشابهت في هذه النقطة، وحملت هذا التوزيع بين اللقطات التي يلتقطها الكاتب، والتي يحاول أن يقدمها  من خلال كثافة الصورة الرمزية والدلالية، و للزمن الخاص بالحدث، وهذه الاستعارات قدمت لنا الفكرة بأسلوب غير مباشر.

         المبدع عبد الله أحمد عبد الله الذي يكتب في صمت ودون ضجة، أجاد بأدواته ونقل لنا الصورة بدلالتها الفنية المكثفة، فأسلوب هذا الشاب يمتلك قدرة إبداعية وبصمة خاصة و موهبة تستحق التقدير، وقد كان لي حظ متابعة نصوصه و قراءتها من خلال موقعه الخاص.

قصة الأولى : البندول

         في هذا النص ليس هناك غير حوار الأجساد، كبناء رمزي و سيميائي ، حيث يتنامى الحدث بهذه اللغة الجسدية التي تؤشر للأزمة الداخلية التي حاول الكاتب أن يعطينا ملامحها بلغة سلسة وشرسة وتحريضية أيضا، تعطينا مؤشرا للجسد كنتيجة رمزية تعبر وتستخلص الجوانب السيكولوجية والثقافية، حيث يتنامى الكلام هنا كمفهوم إيمائي للفوبيا، والزمن  كإلاه  يجعل من رمزيته دلالة ديكتاتورية لهيمنته السلبية، وحضوره الذي يؤشر للتكرار والروتين، فهل كانت الأجساد كغلاف مادي للروح تحاول أن تقتل الزمن في هذه الدائرة المفرغة؟ التي لا تؤشر سوى لذلك المُوات الشرس الذي يأكل الإنسان من الداخل، حيث تصبح الفوبيا كلاما ينبش فيما هو مترسب داخليا، و صوت آخر يصور العناء الوجودي الممزوج بالخواء، ، لتهتز الأحداث  تحت وقع أقدام (كرونوس إله الزمن) كرمز له تأثير خاص، وكإشارة للزمن بكل شراسته وفراغ شخوصه، فالزمن  يكرر نفسه بقسوة وحدّة،  ربما هذه فوبيا للكلام من نوع خاص، قد لا تسبب الفزع لكنها تُدخل في روعنا ضآلة العناء والعيش المحزن.

     تبدأ قصة البندول في الساعة الثانية ظهرا لتنتهي في الثانية ظهرا  معتمدا على سيميائية الجسد  كدلالة  شرسة  لتصوير بؤرة العناء بكل ما تحمل هذه التيمة من دلالات وإيحاءات تعبر عن هموم وضغط الواقع  .

     البندول يؤشر إلى الزمن، لكن هنا، يضيف إليه الكاتب حالة خاصة بالحركة  المفرغة، التي تكرر نفسها، فالزمن متشابه بالإيحاء له بحركة  البندول المتكررة، وهنا إشارة كذلك  إلى الخواء أو الموات كفكرة للفراغ الإنساني.

     و في نهاية النص أسدلت الستارة، وكأنّ ذلك مؤشرا مسرحيا لمهزلة إنسانية ووجودية تكرر نفسها، عبر الزمن الإنساني على خشبة الحياة.

 قصة الثانية \ المحظوظ

          المحظوظ نص يعتمد على استعارة بعض الملامح الفنتازيا لتقزيم عالم  مليء بالتناقضات والشراسة، فهنا البطل يحمل ملامح خرافية، يأتي من عالم آخر مشمئزا، ببدائية رهيبة، هنا نجد علامة فارقة وهي الزمن الذي يمثله البطل، والزمن الذي تجري فيه تفاصيل هذه القصة ، وكعادة الكاتب تأتي اللغة مكثفة لتصف لنا الزمان والمكان في تنافر ملحوظ ، القصة ذكرتني بقصة أهل الكهف كبعد يحضرني هنا بقوة فهو يمثل مفارقة موازية للتناقض،  شخصية البطل هنا تأتي لتقزيم الزمن، حيث ينهض من مغارة في وسط غابة، لا شيء بالصورة يجعل من المكان كانتماء للزمن الحالي، سوى إطلاق النار الذي زرع الخوف في نفسية البطل ليعود من حيث أتى في تقزيم واضح لعملاقيته.
       فالمحظوظ الذي يرمز له الكاتب بشخصية عملاقة، لكن في ظل الواقع يبدو كل شيء قزما وضيقا، فتصبح الروح تحت وطأة الضغط،، مما فاقم هذه الضآلة فتحولت الحياة لسجن ضيق يؤجج عناء الروح، وينفخ في قزمية صراع البقاء(  العيش ) كردة فعل لفوبيا داخلية لها معاناتها الخاصة،  ففي بداية القصة يظهر النسر كرمز متداخل بين الشراسة والمعنى للقوة والتحفز لاصطياد فريسته، ويظهر البطل  كعملاق كل شيء أمامه يصبح ضئيلا،  ينقض على فريسته بكل سهولة، و في النهاية يعود تحت وطأة الصخرة خوفا من رصاصة، فالواقع هنا شرس كشراسة الإنسان نفسه أو هو الزمن نفسه ، ليستفرد النسر بما تبقى من الفريسة، و يملأ الأفق بمزيد من الشراسة نفسها، والعنوان كدلالة ورمز يصيبنا بالإحباط، لهذا المحظوظ الذي منحته الطبيعة مميزات مختلفة عن باقي المخلوقات

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في مجموعة قصص “الطفولة المزمنة”

كتبها ناصر الريماوي ، في 19 آذار 2009 الساعة: 11:52 ص

 .. الآلهة الصغيرة تحتاج لمزيد من الضوء كي تعلن الواح الحقيقة ..

الرابط: فضاءات عربية
قراءة  في مجموعة قصص 

"طفولة مزمنة"

للكاتب ناصر الريماوي 

http://www.arabvoice.com/modules.php?op=modload&name=News&file=article&sid=14156&mode=thread&order=0&thold=0

بقلم : محجوبة أمرير


ناصر الريماوي عرفته من خلال قراءتي لعدد من نصوصه القصصية، وكنت أعجب كلما صادفني عملا قصصيا له، حيث أنه كاتب متمكن من أدواته، ومتجدد ولا يكرر نفسه،  كما أن نصوصه تمتاز بالعمق والمتعة، فلن تجد صعوبة في الاستمتاع من كتاباته، لدرجة الحميمية ، بل تحفزك على الشغف بها، وهذا ما يجعل كتابات ناصر الريماوي في متناول القاريء العادي والمتخصص .

طفولة مزمنة مجموعة قصصية لهذا المبدع الجاد، تتناول نصوصها عوالم خاصة بالطفولة وأزماتها الداخلية، وهذا يظهر من خلال عنوان المجموعة كمدخل للبعد الرمزي والدلالي للنصوص، حيث نكتشف من خلال الحوار الداخلي للطفل مدى معاناته لعالم باهت وغريب "عالم الكبار" إلى جانب عالمه  الذي  يعتمد على الخيال الإبداعي، بحيث نجد عالم الكبار فقد الكثير من هذا الجانب، ومن هذا الحدث تتكون أزمات داخلية \ نفسية، تتفاقم مع المد الشاسع لعالم خاص، وهش، غالبا ما يكون وعي الآباء به غائب تماما، مما يخلق معاناة وأزمات تؤثر على الطفولة، وتتسبّب في انكساراتها  الداخلية .

 المجموعة تسير في خط واحد،  وهو أزمة الطفولة، بأسلوب شيق وشاق في نفس
الوقت، فهو لا يقدم عملا مباشرا، لكنك تندهش للحبكة واللغة الشعرية التي تمتاز بالإيحاءات،  مما يزيد في إغناء النص، ويحفزك لقراءة النصوص، و متابعة هذا الكاتب الجاد في سعيه للوصول إلى شخصية.. مبدعة.. متفردة !.

في هذه المجموعة يشدك الكاتب إلى طفولتك من خلال استعادة أحزانك الصغيرة القابعة هناك بصمت.. و حسرة .. وعناء، إننا فعلا لم نحاول التعبير عن صرختنا في وجه الكبار، لنقول لهم كفى! فهذه الرغبة تصبح كبيرة كلما كبرنا، فهل كان ناصر الريماوي يعبر في نصوصه عن هذه الرغبة المشتركة ؟.

 لقد قادنا لهذه الثورة الصغيرة للدفاع عن عالم مدهش. عن أحلامنا الصغيرة، والكشف عن غربتنا، حين يتعامل هذا العالم مع خيالنا بمزيد من الاستغراب، والإهمال أيضا. نختبئ خلف هذا الحلم، ونحرص أن لا يعتدي على شفافيته عالم  يتخبط  غالبا في الغربة  والجهل والمُوات، وفي نفس الوقت نتذكر كم من المعاناة عجنت وعصفت بوعينا الصغير ؟ .

هذه التجاوزات التي تقع باسم التربية، وباسم الحماية من الأذى، ثمّ التعاويذ التي كانت دائما تحتل أجسادنا، مثل شيطان الآلهة الشريرة، وتنتشر كوابيسها هناك في نومنا وصحونا، ونقاتل من أجل هذه الأخطاء التي لم نرتكبها.

فالآلهة الصغيرة البريئة تحتاج لمزيد من الضوء، كي تعلن ألواح الحقيقة، في صفحة حلم بيضاء من الشمس، ففي هذه المرحلة تكون البداية الحقيقية سواء للتألق أوللإحباط في تكوين الشخصية.

المجموعة تتناول أيضا علاقة الطفولة بالأرض والصراع الإنساني، والتشوه الذي أدمى تاريخ البشرية،  كما في "جدار من طين \ وعروق الدالية " و الإشكالية القائمة بين الخيال الشاسع للطفل وبين مُوات هذا الجانب عند الكبار، كما ذكرت سابقا، حيث تتفاقم غربة الطفولة، فكانت النصوص عبارة عن صرخة احتجاج، فالاحتجاج ظاهرة صحية ضد كل التعسفات التي ظلت تغلي داخلنا بركانا، دون أن نفجرها ذات عناء، كما فعل ناصر الآن، لقد فجر هذا البركان النائم في داخله وداخلنا ، إننا هنا نجرُؤ على الكلام, نبوح بما يثقل كاهلنا الطفولي, إنها صرخة رائعة لاحترام حقوق الطفولة بأن تمارس حرية الخيال، وتأخذ نصيبها من الأمان والرعاية الواعية، وأن تجد صدرا لاستعابها، وعدم الحكم على خيالنا ودهشتنا بالموت، دون الالتفات إلى هذه الجريمة ،هنا تأتي الصرخة قوية ولو على صفحة بيضاء!.

أقول خيالنا ودهشتنا، لأن هذا المبدع  نجح في أن يجعلنا ذاك الطفل، لدرجة التماهي مع شخصيته، و هذا ما قصدته بالحميمية، فأصبحنا نحس أننا ذاك الطفل، لأننا  فعلا كنا ذات يوم ذلك الطفل  .

 المجموعة  عالم مدهش  يشتغل على تعدد البنيات السردية، وتنامي الحدث الجمالي بفنية وقدرة تشهد للمبدع، ثم جانب اللغة وأبعادها السيميائية تعطينا تأويلات عديدة لقراءة النصوص، وهنا يظهر جليا، تعددا في تشكيل البنية واللعب المتداخل للزمن، مما يحمل عنصر المفاجأة والدهشة، والتنقل دون أن يؤثر ذلك في المتن وسلاسة النص، ثم الانفتاح السردي الذي يجعل القاريء جزء من اللعبة الإبداعية، ممّا يميز أسلوب هذا المبدع الحداثي، ثم الحبكة  المتقنة، كما تمتاز الصورة الفنية بلغة شعرية تنقل بعمق الومضة والكثافة التي تعتبر من أهم دعائم القصة القصيرة، كي تصل النصوص لهدفها   .

طفولة مزمنة تنثر عالما مدهشا ، وفي نفس الوقت تحمل عناء طفوليا، وهو الهدف الأساسي لموضوع المجموعة حيث نرى الطفل ….. يسرد معاناته في مونولوج داخلي، حاول ناصر الريماوي من خلال هذه الأداة، أن يدخلنا إلى عالم ساحر ومزمن, عالم لطفولة مدهشة، وأطياف تشبه أطياف السحرة والعفاريت، لكن السحرة هم الكبار، بكل ما يحملون من  خوف وجهل يثقل كاهل الطفولة، ويحوّل عالم الدهشة والحلم إلى عالم كله كوابيس، مليء بالرعب والتمائم والسوداوية   كما في قصة " قطار المساء" .
 
وحين أقول عالما مدهشا، فإنني أتحدث هنا عن الجانب الموازي للمعاناة، والذي
يكتشفه الطفل النائم بداخلنا، حين نقرأ هذه النصوص، ويعبر عنه الكاتب بشكل
يبعث على دهشة أخرى لمستوى النص .

 ناصر الريماوي يدخلنا إلى عالم بهذه الكثافة الفنية ، والواقعية ، والإثنان لا ينفصلان ، بل يقدمان صورة فنية عميقة، حتى نصل إلى اله

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من سيرة الأيام/ في البحث عن المبدع “طارق لحمادي”-قصة قصيرة

كتبها ناصر الريماوي ، في 8 آذار 2009 الساعة: 21:51 م

من سيرة الأيام

                                                       http://www.arab-ewriters.com/?

action=showitem&&id=5678

 

" لا أبالغ إذا قلت بأن الكاتب طارق لحمادي هو من اكثر الكتاب الشباب الذين اقرأ لهم نصوصاً… كماً ونوعاً وبمرافقة طقوس خاصة، واعيد قراءة المقروء لمرات ومرات ومنذ زمن، وخصوصاً فيما يتعلق بأحاديثه التي هي من وحي الصبا… حتى تحرك في داخلي حس الكاتب وكانت هذه القصة… فليسامحني على هذا التناص وهذا التعدي على نصوص لم تعد ملكاً له بمجرد نشرها لنا كقراء"

 

        -   هي الأيام …. 
  منذ عشرين عاماً سكتت صيحاتنا هنا في هذا المكان، خطواتنا، أيادينا الصغيرة ودعتْ آخر رسم بالطبشور على ذاك الجدار، عناده في البقاء لم يزل يدل علينا، لكن هل حقاً كنّا ذات يوم هنا؟ منذ اللحظة الأولى تحرك شيء ما في داخلي، فأيقنت أني سأبدأ برسم لوحتى الأولى من هذا المكان، فالرسم مثل ولادة القصيدة قد تقوده الإنفعالة الاولى، كنتُ أجتاز إنعطافة الزقاق -والذي أحسسته ضيقا-ً نحو أطلال بيتنا الذي تهدم ولم يبق منه إلا ما يدل عليه، حين إستوقفتني تلك الشجرة العجوز، شجرة "الدردار" …فاجأتني بصمودها على الطرف المقابل، كان مجرد النظر إليها كفيلا بإشعال الذاكرة، "عبادي" رفيق الطفولة، وفناء بيته الذي يتكىء على جذعها، فروعها الممتدة كاخطبوط، وثمة شيء لا يعقل ظل شاهداً على ذكرى قديمة، يهتز في جوفها كلما هبت رياح المواسم تناهى إلى مسمعي ذلك الشدو الحزين والذي لم يبق منه سوى إحتكاك ذلك القفص المعدني بأغصانها، هل ظل معلقاً حتى يومنا هذا بأنتظار "حسون" لم يأتِ؟ أم بانتظار احد آخر عفا عن ذكره الزمن، ترى أين "عبادي" بعد هذه السنين؟ هل أخذته "وهران" بجريرة احلامه البسيطة ليدل عليه قفص منسي؟
- هي الأيام … كُنتَ تُحيل إليها إرهاصاتنا هنا، كنتَ تؤمن بالتغيير القادم عندما تعجز إرادتنا الضعيفة، ولمّا لم نبرأ مما علق، كنتَ تعيدُ تعريفها أمامنا بخرافة الزمن المدفون في قاع بعيدة تسكن النفس، نجترها في امسيات الزمن القادم، نحكيها قبل ان تندثر وحين تشتعل بمقدار الثواني والشهور… مضيتَ وحيداً، وبقينا…
بالأمس كان "عبادي" يجمع أوراقاً كثيرة، ينثرها في زوايا المكان، ويختار الشرود في لحظة إزدحام عابرة للورق المبعثر، حسبما أذكر، لم  تكن سوى قصاصات بيضاء ممهورة بانفاس قديمة افلتت من لظى نياشين محتملة لم تزين صدر وقته المسلوب بعد، لكنها تشبه اللحن في مطلع النغم الشرقي حين تندلع الموسيقى قبل أن يستفيق الشتاء على اعتاب زقاقنا المنسي، قصاصات ورقية ترسم وجهاً ناحلاً ينأى عن مؤانسة النار واعواد الحطب المشتعلة، كنا نصطلي بوهج النار وهي تقضم عيدان الحطب المجفف، نمد أيدينا الصغيرة إليها ثم نسحبها سريعاً، لم نحظَ بأي من الكوانين، فقط نكتفي بعلب الصفيح المهملة، نستهلك أعواد الثقاب في إشعال حزمة بللها رشق مطر مبكر فاجأ الجميع، نستصرخ بعضنا بقليل من "الكاز" من يأتِ بالقليل؟ نفر إلى أسفل الردهة البارزة والوحيدة فوق أرض الزقاق، لتقينا شر البلل، وقبل أن تفوتنا الأمسية، يجلب " الكاز" ونصف دسته من اعواد الثقاب، يضرم النار بكلتا يديه، وحين نصطلي بدفئها … ينأى بعيدا، لا يعبأ بالدفء، يسند ظهره للجدار ثم يشرد في صمت عالم آخر … هي الأيام… يتخلص من حمل ثقيل حين يكررها، لكنها تعبرني كنغمة قديمة معتقة تصدر من جوف قيثارة أثرية، أتراخى على إيقاعها المتصل، هي الأيام… وتمضي بنا الأيام… كلها تلتقي هنا كخمر القوارير في الأقبية، أستدير لأنتزع الصمت من شرود عينيه، لكن إلى أين يا " عبادي" تحت هذا المطر؟
-   إلى آب الفائت ! إلى برودة الهجر وزمهرير الوداع، واليأس، والسهد، ومرارة الذكرى…وو
لم تكن لتتيح له أن يتخيل أكثر، قال لي: كيف لـ"باريس" ان تمر عبر خيالي وأنا لم اغادر هذا الزقاق؟ حدثتني بلكنة فرنسية لذيذة، طوال شهر كامل، ورسمتْ بألوانها ذلك الحي بأكمله في "قرونوبل"، صورتهُ لي كأنني أراه، أضواءه العالية، طرقاته المرصوفة، إطلالاته المفتوحة على فضاءات رحبة، والركض في صباحات الربيع الخجولة… الظهيرة الصاخبة… ثم يغلبه الحنين فيصمت ويفتر، يتهدج حين يهمس: ومن دون مقدمات… صافحتني ورحلتْ… عادت مع اهلها برفقة آب…
إلتقيتهُ مراراً يذرع وحل الطرقات وحيدا، صامتاً، خلته يحدث نفسه ذات مرة، ذلك الشتاء لم يكن قاسيا بطقسه فحسب، بل بعسر إنقضاء لياليه التي طالت، والسأم، كنتُ لا اتوانى عن التذمر تحت وطأة غيابه أمام الجميع… في الحارة حيث كنا نرسم بالطبشور على جدران الدكاكين معاً، ثم نفرُّ بلا عقاب قبل ان يمحوها المطر، وفي الإستراحة القصيرة تحت أشجار "الدردار" والتي كانت تظلل فناء المدرسة، وفي غرفة الفصل الدراسي، ورغم هذا كله تمضي بنا الأيام… أدركتُ ذلك حين حدثني وقد إستعاد شيئاً من حضوره المفقود… وإبتسامته المألوفة: لم أعد أكترث لرحيلهم، لست معنياً بغياب أحد!! هل تصدق!؟
عدنا نتراكض مثلما كنّا في أمسنا القريب، نقصدُ " دكانة" الحي معاً ومفترق الطريق المزدحمة بطالبات المدارس المتوسطة، نتقاسمُ الوسيلة في التخلص من أعباءنا الصغيرة، نلقي بحقائب الدرس بعيداً، ثم نستقطب ما تبقى من جهد زائف بقطعة حلوى مكشوفة، في طريق العودة إلى بيوتنا، لم يمضِ وقت حتى غمرتني سعادة خفية لإستعادته بالمطلق، حين بادرني بالحديث وللمرة الاولى عن ذلك " الوكر" وبشغف كبير: متى نقتحم المكان؟ شملتني سعادة فعلية، لقد بات الإختراق وشيكاً لتلك المرحلة والتي أسماها صديقنا "منصور" ذات يوم " الأختبار الحقيقي لرجولة مبكرة".
الصباح التالي يغتسل بمظاهر إعتدال ربيعي مفاجىء مما أنعش المكان والكائنات على إختلافها، تحررت طيور الأكمة القريبة من حيِّنا بدورها، وحلقت في أجواء المكان مغردة، أطل " عبادي" من بين أغصان شجرة "الدردار" العجوز - والتي تجثم منذ قرن على مدخل بيته القديم- بدا مشتت الذهن وهو يقترب، كمن يعالج أمراً غيبياً، او ينظم بيتاً من شعر في قصيدة، أشار للقفص المعدني المعلق على فرع مرتفع للشجرة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إنهم إلينا لا يرجعون- قصة قصيرة

كتبها ناصر الريماوي ، في 15 كانون الثاني 2009 الساعة: 23:54 م

 

 147ima

http://www.arab-ewriters.com/?action=ShowItem&&id=5568

 

إنهم إلينا لا يرجعون – قصة قصيرة

 

حدثني قبل الرحيل، عن لحظة غامضة تكمن بين النوم وصحوة الموت فاصغيت على مضض، كنت مرغماً على تقديم وداع باهت لا يليق بمن لا يرجعون، ولم اصغ لما قاله على وجه التحديد، كابتسامة الأطفال، تمدد فوق قلبي حين أفرغ كل أشواقه كمن تخلص من حمل ثقيل، لم تزل نبرة العتاب ساخنة لم تبرد على أعتاب بيتنا مثلما كان الدم المسفوح يرقص في ذات المكان بعد وقت قصير، حتى هذه اللحظة ظل قريبا لم يفارق ساعة الوقت، ولم تزل آخر الحروف عالقة، لم تغادر الذهن بعد ، ولم يتبدد صداها على غير عادة الأحاديث العابرة، أيقظني للمرة الألف من سبات المجرات الهالكة فوق سرير البحر الهادىء في غزة، لكنه لم يترجل للصيد فالبحر غدار، وبرر للمرة الالف خوفه من تلك اللحظة الغامضة بين النوم وصحوة الموت،  لكنني كنتُ أصحو على يد أخرى توقظني في كل مرة، هل كنتُ أصرخ؟ أسال في جزع… كنتَ على وشك النحيب، متى تنسى لتنام، والليل لم يزل في أولهِ، فقط حاول ان تنام… يرد الصوت الذي بقربي فألهو بخلوتي على نبرة العتاب الساخنة… لمَ كنتُ اصغي ببرود سمج؟ لم كل ذلك التفاؤل المزري على أمل خائب يمهد لعودة لا تتكرر ؟ الا تفهم سر طلوع الشمس، حين تبزغ قب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

غزة - بعض الهذيان

كتبها ناصر الريماوي ، في 5 كانون الثاني 2009 الساعة: 15:25 م

123116123116123116

غزة – بعــض الهــذيان

 (1) هذيان النوم

قبل النوم على وسادة التهجير الليلي أذكر صحبي

بعد ان أغلق التلفاز على ألف بوق يبرر للتطهير من طهر الغانيات

في حانة الفسخ المستطيلة حين تغدو كذمة  منتفخة سفلى لمسخ ملامح عربي لا يرى ولا يتكلم… فانني اذكر صحبي… أعرّج بين الصحو وبين أرذل القوم فتقذفني الغواية إلى حضن

الغانية على مسرح التقريع الجنائزي بين القنوات الفضائية، لا يغلق التلفاز نفسه إذا لم تغلقه… كفم راقصة مومس يواصل هتك أعراض الشرفاء، فأتقلب في حضن الغرفة المظلمة بين الصحو ونوم جحافل البغي المسرورة بلعق دماء الطفل الساكن فينا، ألعق وصفة النوم على أنغام الشاعر المقهور احمد مطر كتعويذة لطرد شيطان الأرق:

 

أيقايض ملك سيادتنا

بقضية عبد مستأجر؟!

كلا.. والصبـــــــــح إذا اسفر

وبطهر دماء ضـــــحايانـــــا،

وتراب مواضع أرجلهم

من هامة أطهركم أطهر.!!

 

أغفو قليلاً لأصحو على أفق يتمزق، وشخير رعية السيف المبشور في غمد البغايا غادروا مع الفجر خمارة الحي بلا خجل، ليهتف الواقفون باحتجاج من اوصدت في وجههم كل المعابر: من أدخل جيش العبريين أريحا؟!… من أدخل جيش العبريين أريحا؟؟!

فيطرد تعويذة الليل الطويلة من مخدعي  نحو الأبد…

 

(2) هذيان للعرّافة الأولى على أبواب العام الجديد

 

لم ينقصك سوى تلك الكرة الزجاجية الشفافة، في تاكيد ما ذهبتِ إليه من طالع … فهي ستكسبكِ مصداقية كبيرة، ومنديل غير مخيط يتلقف حبات الودع، أو فنجان مسبوك الحواف جوفه اوسع من ذمة العرّاف ذاته…

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حـــــــوار

كتبها ناصر الريماوي ، في 24 كانون الأول 2008 الساعة: 14:02 م

صوت العروبة
ناصر الريماوي : اننا امة تولي اهتماما اكبر بكثيرلما هو مرئي ومسموع اكثر مما هو مقروء..

الرابط: فضاءات عربية
 
حاوره: بسام الطعان
كاتب وقاص أردني من مواليد 1967 ، مقيم في المملكة العربية السعودية، بكالوريوس هندسة ميكانيكية، نخصص محطات طاقة/ جامعة دمشق،

 الرابط: فضاءات عربية
  حاوره: بسام الطعان
كاتب وقاص أردني من مواليد 1967 ، مقيم في المملكة العربية السعودية، بكالوريوس هندسة ميكانيكية، نخصص محطات طاقة/ جامعة دمشق، عضو ومشرف في اتحاد كتاب الانترنت العرب، ينشر نتاجه في  الدوريات  العربية

- بداية ماذا عن ناصر الإنسان، طفولته ، نشأته ، نبوغه ، اختياره للقصة القصيرة؟
* كنتُ مُتهماً في صغري بحيازة أوراق غير مدرسية، قصاصات من صحف الملاحق الثقافية، تضج بها حقيبة الجلد الصغيرة، منحازاً لحصص التعبير في مادة اللغة العربية، القصص المتوارثة المحبوكة والتي تروى عن الغول قبيل النوم في ليالي الشتاء، كانت تثير حفيظتي، أعيدها على مسامع البعض بقليل من التصرف، ثم إعادة النسج بأحداث مختلفة للخروج بنهايات تروقني، ثم الكتابة على سطر مائل وورقة بيضاء وخاطرة لا يعاقب عليها
قانون الإذاعة المدرسية، لكنها تعدُ تحدياً لخروجها عن المطلوب، ثم التماهي مع لذة الحوارات المبسطة والتي قد توقعها على ورق ثم ما تلبث أن تجد من يجسدها وينطق بها على سقالة الأداء المسرحي في أيام النشاط المدرسي، ثم كتابة الرسائل المزركشة لفتاة ما تنتظر هناك عند النافذة، والمعاناة التي تجعل من تلك الرسائل خواطر منمقة ذات لغة شعرية قابلة للنشر على صفحات الجرائد الأسبوعية تحت بند المشاركات المميزة للقراء
ثم المسابقات السنوية لأوائل المطالعين ضمن برامج وزارة التربية والتعليم، والعثور على روايات جادة عالمية وعربية ومحلية ولذة الإبحار مع أحداثها وبراعة التصوير لشخوصها وتقاطع الأقدار في نسيج لا يقوى على تكوينه سوى شخص بارع له قدرة هائلة على التحكم في تلك الشخوص وأقدارها، محاولات لذيذة لتقليد ما أقرأ تبوء بالفشل وأخرى لا تجد من يقرأها وبعضها ظل مركوناً حتى يومنا هذا، وفي النهاية توجه علمي غريب  يقود إلى دراسة الهندسة الميكانيكية في جامعة دمشق، ثم العمل في ذلك المجال وأما الوقت والذي يقتات على براثن اللذة المكبوحة بنهم  فقد تلاشى ولم يعد ليسمح بفسحة لتلتقي بها حصص التعبير المدرسي بالخاطرة المرسلة للصحف، ولم اعد مُتهماً بحيازة ممنوعة لتلك القصاصات ولكنني أصبحتُ مسكوناً بها كلما نظرت إليها مكدسة على أرفف المكتبة أرثي بها نفسي وما تبقى من ملامح الزمن الجميل، تخلصتُ جزئيا من حريتي مؤخراً بالوقوع فيما هو محظور حين عثرتُ على عشقيَ القديم… القصة القصيرة والتي هي الأقرب والأصعب لمسايرة الوقت وقلة التفرغ.

   - يقال عن القصة القصيرة في العالم العربي تراجعت بحكم السوق والقراءة، إذا كان هذا صحيحا، ما الذي أوصلها إلى هذا الوضع؟
   * هذه المقولة تبدو جلية في ظل الترويج لمصلحة الرواية والتي نعشق كلنا كتابتها يوماً ما، أحس من خلال سؤالك بأنك تلمح لذلك، لكنني أريد التأكيد على بعض الأمور من خلال المشهد الأدبي العام في هذا الوقت والذي يعكس انتعاشا ملحوظاً في كثير من البلدان العربية  لمصلحة هذا النوع المميز من الكتابة في فن القصة القصيرة، كالمغرب ومصر مثلاً، من أهمها وجوب تأصل قناعة مطلقة  لدى كتاب القصة بإمكانية الوصول إلى حالة من التميز من خلال التعاطي معها لا يقل أهمية عن التعاطي مع جنس الرواية، ضرورة العمل على اختراق حاجز التجريب، للخروج بما هو أفضل للمتلقي، ضرورة العمل على التجديد في شكل القصة ومضمونها والابتعاد عن التكرار والمباشرة، الإطلاع على فن القصة القصيرة العالمية  مع التأكيد على حفظ هويتنا العربية، وحين يتحقق الارتقاء لذائقة المتلقي من خلال جمالية الشكل والمضمون أولا وأخيرا فلن يكون هناك تراجعاً لا بحكم السوق ولا بحكم القراءة.

   - من أين تشكل عالمك القصصي، وما دور البيئة المحيطة بك في ذلك؟
   * المشاهدات أو لحظات المعايشة والتي  تتميز  بخصوصية  من  خلال  مدلولات نفسيه يصعب على المرء تفسيرها ببساطة لعدم  تجليها  بوضوح  لارتباطها  بعقلنا الباطن، والتي تستوقفنا بغتة ودون اللجوء لنية البحث  عنها،  أو  الترتيب  للعثور عليها، لكنها وكما قلت لك حين تمر بنا بغتة
فأنها تستدعي جيوشاً من الصور العالقة في الذاكرة المختزنة والذاكرة المتخيلة على حد سواء، ليبدأ عالم حر بالتشكل من غير ملامح واضحة ومن غير نهاية محددة سلفاً، ثم يأتي

 دور اللغة والثقافة وتراكم التجربة في تفكيك هذا العالم إلى قصة قصيرة .
أما دور البيئة فهو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

(1) بانتظار الشاعرة

كتبها ناصر الريماوي ، في 29 تشرين الثاني 2008 الساعة: 08:11 ص

 

200811

 

 

 بانتظار الشاعرة - "هيرات الغوص"… قصة قصيرة

 

 امام طاولة مجدولة بخيوط عناكب قزحية، تدلت تحت سقف المقهى التراثي والذي تقعّر جوفه منذ زمن بعيد، كنتُ أحاكي على بُعد خطوات مزينة بروح الماضي جدولاً يذرف عبراته بخشوع نحو مرافىء الخور، تفيضُ من حدقات تطل من بقايا "براجيل" لا زالت تطالع وجه الماء كنخلة عجوز، وأحاول شق صفوف الشعر النابت من بين رمال الصحراء المقفلة على عشق يداعب ترتيب القصائد النبطية فوق أرفف الزمن العابق، وكنتُ أشدُّ على جريد النخل المرصوص برقاقة بيضاء من سحابة دخان نفثها سقف المقهى  في الرمق الاخير لإنعاش شرود جللني منذ اللحظة الأولى، كانت قد مرّتْ ذات يوم من هنا… ولم تترك لنا غير هذه القراطيس، مكدسة على ارفف تهجع في حضن أبراج حديثة مصقولة بزجاج المرايا تشهق في وجه الغيم على برّها المقابل، ظللت بيوتها القديمة، وبعض بقايا أثرية "لبراجيل" لم تزل شامخة، خطفت مني لحظة الشعر والشرود معاً، أمد يدي لكتاب الشاعرة حتى لا افقد خيط الوصل، فتنقشع السحابة من جوف المقهى عن  " براجيل " وحيدة متسامقة، وبيوت طينية لها اثر العنبر، وشرفة مضاءة تحاور الليل، تفسح الطريق للعابرين نحو اول  رمل ياتي بفصيح الشعر، كان للسفن التي تشق عباب الماء نحو برها الآخر، أثر يشبه الحلم في النفس، أين تلك الابراج المصقولة؟؟ وكيف أختفت، على برها المقابل، وأين ذهبتْ بأرفف الشعر المنشور،…لست ادري؟ وحدها النادلة تخرق حظر الضوء بملامح أسيوية وابتسامة كالحة، "رُقاعة" ممهورة بصفرة داكنة بين فكّي محارة ترَكَتْها هناك فوق طاولتي… ورحَلَتْ.

 

لتلك الشرفة المطلة على جانب الخور، صدى الإنكسارات العالقة على صفحة الماء، يعتلي شغف  المصابيح  أرجاءها القديمة، فتغدو أكثر وهجاً، تعيد إقتسام الطريق المعبّدة مع رحيل الشفق المخضب، إلى دروب رملية، وأنفاق مسكونة بهمس أرواح عبرتْ من هنا، نحو البحر.

 

وفي شرود يخلصني من ضوضاء المباني الشاهقة، ينحسر الماء وغمامة القرن العشرين عن هودج يتهادى نحو شرفة لم تزل على حالها، تمر القافلة بمحاذاة المكان، فيعتدل الرمل تحت كرسي الانتظار،  وينساب ما تبقَى نحو كثبانه التي تنتظر،  مراكب الصيد تطفو غير بعيدة تعلق شباكها المهترئة على حبال الصواري وتطلق العنان لحزمة الضوء الذابلة لتلحق بالقافلة، تسعى خلفها حتى يهمد أخر فانوس ليليّ كان يكنس من دربها غبار العتمة، رائحة تشبه المسك كان مصدرها الوحيد ذلك الهودج، هبّتْ كأنها خرافة، جذبتني إليها وسط العتمة، طويت "الرقاعة" تحت ابطي، وهممت بالمغادرة، تخلف اثنان كانا على مقربة من هودج القافلة، نظرا إلي، ثم هرولا نحوي، انتزع أحدهما تلك "الرقاعة" بطريقة فظة لم أتوقعها، ثم دسها في جيب ثوبه، ركلني الآخر بعنف غير مبرر وأجبرني على السير خلف آخر جمل كان يذيل القافلة.

 

احتدم المسير نحو تلةٍ منبسطة، تخالها لفرط التحامها بعتمة الليل - وقد لفظت الى سطحها بيوتاً مائلة بلون الرمل-  متحفزة على وشك الانقضاض نحو كل شيء يقترب، دروب رملية ضيقة تفوح برائحة السمك، تقود الى زقاق عريض، أفضى إلى بيت مرتفع تصدر بإطلالته واجهة البيوت المحيطة، توقف الرحل خارج الباحة، وحده الهودج ترنح فوق الراحلة وهو يعبر البوابة برفقة الرجلين… وأنا، حين تلج البوابة تدرك بأن البيت ينغلق على طبقتين تذرع الأولى رواقاً مضاءً بمشاعل جانبية يتوسط مجلساً واسعاً وغرفاً متجاورة مهيأة لأستقبال وفود قد تصل في أية لحظة، اما الثانية فتمتد نحو البحر بعنق أحاطت به شرفة نافرة للأمام مضاءة بمصباح ضخم، باحة البيت مستطيلة واسعة تحفها أشجار النخيل الباسقة، قيدني رجل لم يتلقَ إيضاحاً حولي، واقتادني آخر نحو غرفةٍ جانبية في الطابق الأرضي، دفعني بقوة اليها واغلق الباب بمزلاج خارجي ثقيل، ثم أطبق صمت مخيف، تلمستُ المكان على وهج ضوء شاحب تسرب من فتحة مرتفعة وانا أتعثر بمحتويات لم أقوى على تمييزها كانت تزدحم بها تلك الغرفة.

 

صوت يفيض عذوبة، توحد مع ضوء الغرفة الشاحب حين توغل مع هدأة الليل، أحسست بحاجتي لأن أتبع الوهج، كانت نسائم آخر الصيف تتدفق برفقته ايضاً، تندفع تحت بقعة محددة في تلك الغرفة الواسعة، تسمرت تحتها حتى بللتني تماماً، لم اكن واهماً، كان الصوت ينبثق في ظل لوعة تطغى على صاحبته، كان قريباً خالطته تنهيدة حارقة قبل أن تشرع بأهزوجة جديدة لشعر نبطي جميل … كنتُ أعرفه، رددتُه معها، لعشق يغمر البحار، بعودة قريبة كنت ألفظ انفاس يقظتي، حتى رحلتُ مع الريح، برفقة الصوت ثم ُرحت في سبات عميق.

 

 أيقظتني رائحة ثقيلة تنزّ من جسد المكان كان مصدرها البحر، قبل أن تتلطخ جدران الغرفة الواسعة بشعاع شمس الصباح، الهواء لم يزل يندفع بارداً نحو تلك البقعة فلذتُ بها، على ضوء النهار تبينتُ المكان اكثر، كنت أرقد تحت برج التهوية، إحدى "براجيل" ذلك البيت الغامض، بفتحاته العلوية المشرعة على كل الإتجاهات…        

 

 

-         فقط أريد العودة للمقهى التراثي… خذني إليه من فضلكْ.

-         أيُ مقهى وأي تراث تعني؟! على أيّ حال لك ما تشاء … فقط أخبرنا لمن تلك الرقاعة، ومن أعطاكَ إياها؟

-         لست اذكر كيف وصلت إلي… ولست على اطلاع بما تحتويه… ثم ما اهميتها، وهل فيها ما يستدعي كل هذا؟؟

-         لا تعلم … أحقاً لا تعلم؟ قالها الرجل في ريبة وسخرية، كان فظاً إلى حد يتفق مع ما توحي به ملامحه التي تغضنت بفعل الرطوبة وملح البحر، أما تلك الوزرة والتي بالكاد تستر عورته فهي الشيء الوحيد الذي كان يعتذر نيابة عن سلوكه.

حنى قامته ليلتقط عن أرض الغرفة بعضاً من أدوات الصيد، ثم أردف موضحاً: أو تنتظر هنا حتى يعود "النوخذة الأكبر" .

-         ومن يكون هذا النوخذة ؟ وأي شأن له بما تحويه الرسالة؟ كنت أستخف بهالة الإحترام التي جللته عندما أتى على ذكر ذلك النوخذة وأنا أمطره بأسئلتي.. لكنه لم يعقب، فقط تأملني بنظرة فاحصة، توحي بفكرة هبطت عليه فجأة، ثم قال في استخفاف مماثل: ما هذه الملابس الغريبة، وكيف تقوى على المشي بها، هة؟ أنتَ غريب عن هذه الديار، أليس كذلك؟  على أي حال لا أظنك نافعاً لشيء أبداً…

 ثم نادى على رفيقه الآخر، وأسرّ له بحديث جانبي… ثم نظر إلي وقال في غلظة :

-         إتبعني….

 

تخطينا قرية الصيد، وفم الخور، وأنا أنوء بحمل السلال، وحبال الصيد، أتعثر بالوزرة الجديدة، تغوص قدماي في الرمل فتلسعني حرارة واحدة توزعت بانتظام حول جسدي كله، كنت أتبع ذلك الرجل مرغماً، مُخفياً حنقي، لخشيتي غلظته، حسدته لخفته وعدم إكتراثه لأي شيء، مررنا بعريش مسقوف من الخوص لرجل يكتسح ارضيته الرملية غير قادرٍ على الوقوف لورم منفر تفشى في إحدى ساقيه، ألقيتُ بالسلال لرتقها بخيوط السعف الطرية هناك، ثم تابعتُ المسير خلفه، سلك دروباً ملتوية بين بيوت طينية بائسة بدتْ خالية إلا من بعض الصبية وقد رجعوا للتو من تخوم الخور القريبة، وقلة من النسوة إفترشن أرض المصاطب الخارجية، للحياكة وطرد السأم، تسرب عرق مالح إلى عينيّ فلم أقوَ على الرؤية كما ينبغي، بينما يتنامى حقد آخر نحو خادم النوخذة كلما رمقني بنظرته المتبرمة وهو يحثني على المتابعة، دلفنا اخيراً إلى ساحة تطل على السوق تكدست فيها حبال سقيمة وأخرى مفتولة جديدة، وعيدان مجترة من جسد النخل الضامر، القيت بباقي حمولتي من الحبال، رحب الرجل بنا والذي كان يرتدي واقياً جلدياً على إحدى عينيه، ويبذل جهدا ملحوظاً ليرانا، ودعا خادم النوخذة  بأسم الريس "عبيد"، كان يبدو عليه التذمر حين قال: ياريس عبيد، ألم يصلك "طارش" عن يوم "القفال" وعودة مراكب الصيد محملة بالخير… فكما تعلم الكل ينتظر عودة الجميع ليعم الفرج….

رد عبيد بسخرية ولهجة صارمة: لم يصل بعد طائر الرخ من رحلته ليخبرني، عليك بفتل الحبال فقط ولا تجهد نفسك في أمور لا تخصك. 

 

تربّع فوق مقعد ثقيل، كان يشير للأشياء بعصاه الطويله، نزع الصبية "غِرَشْ" الماء المطمورة في رمل الفناء، ثم تفرقوا لحظة وصولنا بإشارة من يده، فَرَدَ اللفافة بين يديه، ثم أوجز محدثاً " عبيد " : هذه الرسالة تتحدث عن " هيرات " جديدة للغوص…  يبدو انها غنية بالمحار، هناك اسماء لم أسمع بها مسبقاً، ثم … لكن " الشيخ" توقف وقد بدى حائراً، أما " عبيد" فقد كان م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb



1- بدر شاكر السياب - قصيدة شناشيل إبنة الجلبي ( بصوته) 

2- بدر شاكر السياب - قصيدة منزل الأقنان ( بصوته)


 


التالي