(3) قطــار المسـاء.
-فقط تخلصي من تلك التميمة،... عله يحظى بقسط من النوم ... كبقية الأولاد. ترد أمي في مرارة: سأفعل... غداً صباحاً.

ثم لا يأتي الصباح... هكذا أنتظر بلا طائل، فقط حين تعلو أصواتهم في صخب معتاد خلف النافذة، أستفيق مصحوباً برغبة عارمة في الخروج، هل أتى الصباح؟ أسأل من حولي، لا تترك مكانك ... فالوقت يدنو من منتصف الظهيرة، صوت أمي يلفح وجهي بهواء جاف، أنصاع منكسرا لأتقي المزيد... قلت له ذات مساء إنها تضاعف وحشتي، أنا أغص بالكلمات... ليتها تتركني وشأني... لكنه، مضى... لم يتفوه بكلمة، هكذا لمرات عديدة على وقع نعليه حين تبتعدان، يجتاحني لفح حنين آخر... لو أن يديه تحملني إلى حيث يغيب عني شهوراً، لو أن أصابعه لا تأتي على أطراف خصلتي الاخيرة... حين تفلتُ مع آخر لمسة عابرة من يده.
الممرات موحلة، وضيقة، لكنني أحفظها عن ظهر قلب، وأحبها كونها الطريق الوحيدة، لدفء يديه... لم يأتِ ولم أصادف أحداً، ولم اشعر بشيء، نسيت الوقت كعادتي، فأنستني الطريق نفسي... كان يكرر السؤال في هدوء مفتعل، مستعيناً بأنفاس إضافية، وصوت ممزق... تذكر أرجوك... ماالذي رأيته للمرة الأخيرة؟ ومن تسبب في ذلك، هل كان احداً تعرفه؟
- قلت لك... لقد كان عصفوراً كبيراً ... حط بمخلبيه على كتفي
- كيف عرفت؟ قلتَ ان المكان كان معتماً... وضيقاً؟
- كان له منقار مدبب ومعقوف... تسلق وجهي في بطء حتى أدرك عيني... ففر بهما على الفور !!
لم يكن لوالدي خيار آخر فينصاع مرغماً لأمر محدثه وهو يقول: عليه البقاء لفترة يصعب تحديدها الآن... لكن لا تخف... لن يطول به الأمر... سيشفى حتماً.
ظلام مستباح لذلك الصخب المألوف، هذه المرة تداخل مقيت لعجلات حديدية تطغى على حضورهم الدائم خلف بيوت الحي، يتراكض الجميع لملاقاة آبائهم قرب محطة الوصول، تصطك عند الوقوف يعقبها نفير موحش، يثير حساسية قديمة ولدت معي قبل هذا الظلام ، فأنشب ما تبقى من أظافري في جدار الغرفة الوحيدة وانا أحاول ارتقاء النافذة...
وحده أبي يسلك الممرات الموحلة في طريق عودته، فالعجلات الحديدية تدوس الصبية... هكذا علمت عندما تدثرتُ بخزانة بيتنا الضيقة مع طائر لا يفارقها، يومها أخذتُ ابحث عن يد امي في الظلام، ظننتها قريبة، تركتُ مكاني فتعثرت، ثمة صوت يشبه الزجاج تناثر من حولي، تسمرتُ في مكان عثرتي ولم أتقدم أخذتُ أبحث عن أي شيء في ذلك الفراغ، كان متصلاً يسبح فيه ريش كثيف لطيور لم أرها، صرختُ في وجه الطائر الذي تسلق كتفي عنوةً: لمَ تحيطني أمي بكل هذا الفراغ...؟ لم يصل لسمعي سوى صوت جدتي، وهي تهرعُ نحوي، تردد عبارات لا أفهمها، حملتني بين يديها، أعادتني إلى حيث كنت أجلس، توسلت مراراً بعدها أن يخرجوني من هناك... فالمكان ضيق ، ومعتم والطيور لا تأنس لوجودي...
- ليس ثمة طيور، انتَ بيننا هنا... ألا ترانا؟
في وقت لاحق كانت تهمس لأمي : ألمْ تتخلصي من تلك التميمة؟؟ ألا تعلمي أنها طيور الليل؟
- وإن يكن... لا أريد ان أفقد طفلاً آخراً.
- إذن دعيه يخرج... تخلصي من هاجس الموت، دعيه يرى النور، أو تخلصي من تلك التميمة.
لم تقوَ قدماي على حملي، كنت أنوي الوصول للنافذة، لم أشعر بهما، جذبني فراغ مظلم، كان جاثماً أمام خزانتي الضيقة، لم يكن قبل اليوم، سقطتُ دفعةً واحدة، لم أعد اذكر سوى صرخةً، ويداً حانيةً، ومقعداً ثابتاً... وبضعَ كلمات لأمي حفظتها قبل غيري، حين كنت أدعوها، تأتي برفقتها... تلك لِحَظٍّ عاثرٍ، وهذة لعين لم تصلي على النبي، ثم توقفها دمعة عابرة فنصمت معاً...
ألفتُ مقعدي بعد ذلك، وظلمة المكان... سكنتني النافذة بذلك الصخب المتقطع، شكوت لأبي عزوف والدتي عن سرد حكاياها، فتطوع لينوب عنها... حدثني لوقت قصير، ثم تذرع بالوقت والسفر ولم يأتِ على ذكر السأم... للمرة الاولى كان سمعي ينحاز لصخب جديد، لا يأتي من تلك النافذة، صراخ غامض لمولودٍ جديد، قالت عنه أمي انه يشبه أخي الأكبر، وضعَتهُ في حجري، تلمستُ وجهه، رغبة مني بإستعادة ملامح قديمة توشك أن تندثر.
دمى صغيرة من الطين تحبو فوق رمل جاف، يلهو بها على غير علم مني، كان يتناهى لسمعي حوارٌ خفيٌ يدور بينهما، لم يصل لمقعدي المتحرك بعجلاته الرخوة، فقط كان يدفع به ليضعني على أول الطريق، لم يحدثني عن أطفال يلعبون خلف بيوت الحي، ولا عن قطار يمر عند المساء، لكني طلبتُ منه ذلك، رجوته أن يأخذني مع بقية الصغار، لنلقى والدنا هناك، تزامن صوت العجلات الحديدية والنفير المتقطع مع هبوطنا ذلك المنحدر برفقة الجميع، دفع مقعدي بكلتا يديه، فأفلت منه وانا فوقه كان يلحق بي فزعاً... علا صراخه لم اكن اسمع سوى صوت النفير وتلك العجلات وهي تقترب ، صراخ كثيف واصوات غريبة، ورفيف سرب من الطيور فر من ذلك المكان دفعة واحدة ... ثم غابت الاصوات وحل هدوء أبدي...
عاد يحاصرني بسؤاله، وانا أختنق بغصة مزمنة، راح يهزني ويصرخ في وجهي: تذكر أرجوك... ماالذي رأيته للمرة الأخيرة؟ ما الذي رأيته؟؟؟
- لقد كانت بقعاً حمراء ... نعم كان لونها احمراً أتذكر جيداً ... كان هناك ريش كثيف لطيور لم ارها تطايرت في الفضاء... لتحط هناك.
ثم غبتُ في موجة من النحيب وانا ارى للمرة الاولى تلك الغرفة الوردية وذلك الرجل الذي حاصرني طويلاً... برداء ابيض وقسمات حانيه، كان ابي أقرب مما ظننت، ألقيتُ بحملي بين يديه... ثم رحتُ في سبات عميق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبها ناصـــر الريمـــاوي في 01:12 صباحاً ::
سلام الله عليكم
اخي ناصر
لم استجمع المغزى النفسي من وراء تلك القصة المتحركة
فهناك حركة كثيرة وعوامل نفسية عميقة بين هذا الطفل الاعمي
والزمن ووالدته ووالده والتميمة وسواد الوجدان........
ما النفسية خلف ذلك ؟
لا ادري بعد
ربما في زيارة اخرى ان شاء الله
السلام عليكم
عزيزي ناصر ...
ربما تأخذنا في ثلاثيتك إلى زمن غريب
و ربما تسافر بنا نحو المجهول الخاص بحكايتك التي ربما لن تنتهي
و ربما لن نفهم او نقبض على فكرتك الحتمية !
و ربما لن نتكيف مع سوادك
و لكنني اود لفت إنتباه قلمك إلى العزف على اوتار النغمة لكي تنسجم انت اولا"
و نطرب نحن ثانيا"
تملك اللغة يا ناصر
و تملك الإحساس
و حين اقرأ لك أحس بك و بوجع حروفك التي تسيل عبر نهر حزين
لتصب في نبع لا يشرب منة إلا ظمآن !
لك أن تطلق العنان لأحزانك المتشابكة بكبرياء
و تنسج لنا ثوبا" بحلم معقول !
و أقول للقارئ المحترم ابو المعتدل الذي لم يلتقط شيئا" في نصك !
ربما تحتاج إلى تقنيات مختلفة يا عزيزي
فناصر ينتصر على نفسة في ثلاثيتة و يبدع بإتجاه مختلف هذة المرة
فالسواد كان واضحا" في رمزية تشتبك مع وضوح المعنى التقليدي
و العمى كان شكليا" لان الروح ترى في نصة النور !
دام قلمك يا ناصر
و دام إحساسك
اخي ناصر : دمت ودام التألق والابداع ,,
جديدي قصيدة ( وحل حزيران ) ,,,
لا زالت امتنا تغوص في وحله حتى اليوم ,,
تحياتي لك ,,,,
العزيز ناصر
مرحباً
طفولة سوداوية هذه المرة ,الذي لفتني في هذه القصة قدرتك على حشدك لعالمنا الموغل في التمائم و الأحجيات .. أشعر أنك هذه المرة أنتقلت لأجواء مغاربية بكل ما تحمل من طلاسم ...
أنا فعلاً أستمتعت بهذه القصة ,فقط هناك بعض الجوانب التي لم أفهمها.... أو أنني شعرت بأنها تحتاج لتسليط ضوء ما عليها .. ..
أشكرك جداً أيها العزيز.
دمتَ بخير
طفولة لا تنضب ، وتشكيل يحملني على الايمان بقدرة العزيز ناصر على بناء عالمه بأحجار الدهشة ..
قطار المساء تستقي ملامح البداية ، وتسوق خطوات الحياة في صور موشاة بفن البحث عن تكنيك مرواغ .. القصة هنا لا تقرأ بقدر ماتكتب من جديد مع ناصر .. انها قصة السؤال .. كيف ؟ ولم ؟ وفيما ؟ ..
لا تتوقف الطفولة عند الناصر في حدود الصورة الواضحة المعالم ،المجلوة الفكرة ، المحددة الخطوط ، ولكنها تتجاوز هذه الأطر لتتزي بنكهة الدهشة والغوص البعيد ..
تتلبس الخرافة روح الفعل في بناء الحوادث هنا .. ويرتهن الكرسي المتحرك العمى .. يتماهى شخوص القصة في حضور باهت يدفع الاحداث بهدوء ..
الاب والام والجدة والطبيب ... وترفرف القصة بين عالمي الواقع كحقيقة والميتافيزيقا كخرافة ، مايحيلها الى نوع من الكابوسية ..
ويبدو الاجتهاد جليا وناصر يحاول أن يقدم قصته في اطار ثابت لدفع فكرة نصه الى حدود فهمنا .. لكن اشتغاله على تنويع المساحات يفقدنا ويفقده بعضا من التلذذ بمذاق ثمرة القراءة ونحن نضع نقطة سطر النهاية معه ..
وبرغم هذا الاحساس الذي فتحني عليه هذا النص ، الا انني اشد على يد هذه الروح التي تقدم طفولتها المزمنة بمثل هذا الجمال
كن بصفاء عزيزي
عزيزي ناصر
تحياتي
كل من يتابع كتابات ناصر القصصية يخرج بانطباع أن
هذا القاص الشاب يحمل الكثير من الموهبة ويملك
ادوات تقنية وفنية وقدرات إبداعية تجعله
في مصاف المبدعين الجادين والمتميزين؟؟
النص يحمل الكثير من الملامح المزمنة في ذاكرة
الطفولة في سياق تجريدي يدفعنا لقراءة النص
أكثر من مرة حتى نتواصل مع الفكرة ومدلولاتها التي
يصوغها النص بفنية عالية ؟؟؟؟
ومجموعة طفولة مزمنة من خلال النصوص الثلاثة
تعطينا نكهات متعددة تغوص في تواصل متعدد
الجوانب لطفولة واحدة ؟؟؟؟؟
القصة تغوص في أعماق الطفولة وتنخر في داخلها
حتى تعطينا الصورة لمعاناة طفولية غاية في التعقيد !!!
الشخوص الخارجية أدوات تساهم في تسليط الضوء على
المعاناة الداخلية ؟؟؟؟
ثم هذا البون الشاسع الذي يفصل عنصر التواصل بين
الطفل ومن حوله ويعبر دائما على عدم فهم حاجة
الطفل والتعامل معها بجهل وأمية عالية ,لذلك
كان اللجوء للخرافة واحد من هذه الطرق التي تنمّ
عن هذا الجهل وعدم الفهم السيكولوجي لحاجة
الطفولة مما يزيد من معاناتها ؟؟؟؟؟
يقول الطفل ؟؟؟
ثم لا يأتي الصباح هكذا أنتظر بلا طائل؟؟؟؟
ثم هذا التوق للآمان الذي يمثله الأب !!!
لو أنه يحملني إلى حيث يغيب عني شهورا ؟؟؟؟
الأب الصدر الغائب والامان الذي لا غنى عنه ؟؟؟؟
ثم الحالات المفتعلة للطفل كي يكون الأب دائما
حاضرا فلا شيء يجعله كذلك سوى ما يحصل للطفل ؟؟؟
النص وجدته سرياليا لكنه أمتعنا كما أمتعتنا
الإبداعات السابقة وكل الرموز أعطت وظيفتها
في رسم أبعاد هذه المعاناة بفنية عالية فمحطة القطار
والطيور والعمى رموز أعتبرها ضرورية جاءت في محلها
لكي توضح الجانبالتراجيدي لهذه المعانات لكن بشكل
تجريدي يجعل النص بين يدينا نصا سهلا وممتنعا ؟؟؟؟؟
ناصر جعلنا نقف بذاكرتنا إلى الوراء ونستعيد هذا
الجانب الغامض من الطفولة !!!
على فكرة ياناصر أنت تحمل بالإضافة إلى الأدوات
المتمكنة ذاكرة خصبة عن الطفولة بكل غموضها ؟؟؟؟
مع المحبة
مساء الخير أخي ناصر ...كيف نفسر هذا التجميد الذي بات مماثلا للفعل الميتافيزيقي كانت الأزمنة قديمة وقطار الحياة يسير . ما هذه الطفولة يا ناصر
طفولة تحتاج الى الراحة أو تنتهي في التلبد أو الجنون او تعاين الموت القابع أمامها طفولة لا ترى الحياة إلا حزناً .. تراها من جوهر الشقاء وتدل على بؤسها من فعل الزمن لتنتهي في الاستياء .. تصور حالة الألم بالجزع لا بالأمن وتشعر بالرغبة كما تشعر بالجوع .. جميل أن نكتب عن الطفولة ونحن نحس بالألم لا بخلونا من الألم
سأعود يا ناصر الوقت لم يسعفني
تحياتي لك
اخي ناصر الريماوي : للتغيير في اللون والطعم ليس الا كتبت :
فاجأتني فتاة الشعر العربي الفصيح ,,, وجاءتني بشكل مليح ,,,
هدية لكل مدون ومدونة ,,,
دام التألق والابداع ,,
تحياتي لك ,,,
ناصر ريماوي ..
ايها الريماوي الجميل .. لقد رسمت ثلاث مشاهد جميلة برغم حزنها ..
هذا المرور ( رقم .. ) .. !! هنا في متصفحك قد يكون بعد العاشر
وكلما امعنت في القصة أكثر .. أجلت الرد حتى اعود مرة اخرى كي اجد في
جعبتي حرفاً يليق بجماليتك الادبية ..
بحق .. كنت مذهلا فيما كتبت .. وقد استطعت .. ان تحتل فؤاد القارئ ربما
ان القصص .. توجه القارئ والمتابع للاهتمام بواقع الطفولة في عالمنا .. العربي
البناء اللغوي .. جاء متيناً متماسكاً كسكة القطار لا يقطعها شيء ..
كما ان الصورة المستخدمة واقصد بها صورة اللغة الادبية جاءت اجمل
كما ان المترادفات اللغوية تشير الى ان مكنونك الغوي مليئ بالدرر .. والجمال
فمزيدا من الابداع
أيها الريماوي الجميل ..
اشتقنا ( لك .. ) .. اين أنت يا رجل
عساكَ بخير ..
مودتي لك
اشعر بحزن شديد الآن بعد قراءة نصّك الرائع
توقفت عند العديد من العبارات مسترجعة حياة اطفال فلسطين لا ادري لماذا
لمحت الموت في كل مكان
ان بقي في المنزل مات وان خرج للنور مات
ثلاثية موت وخوف وألم
تقابلها حرية طيور مخنوقة مضرّجة بالدم
لا أدري ماذا اقول ،صدقا لا ادري
لكنني تألمت وانا اقرأ ،اقصد وانا اشاهد ما كتبته اخي
لأنني شاهدت مشهدا مكتملا هنا ولم أقرأ
دمت مميزا ناصر
سامحني لغيابي لكنني كنت بعيدة عن المدونات بسبب ظروف الامتحانات
كن بألف خير
الاسم: ناصـــر الريمـــاوي
