
(4) جدار مائل- قصة قصيرة
كانت تتبع سرباً للنمل يسري خلف جدار يميل قليلا جهة الباحة السفلية، على الجانب الآخر كنا نستهلك الدقائق الباقية للفسحة، نلوذ بمساحة المكان المتاحة، فيعلو صراخنا، نراوح في الساحة المطلية برمل المشتل المجاور ليأخذ كل منّا دوره فوق أرجوحة اللعب الوحيدة.
الكتابات الركيكة، غدتْ باهته تميل مع الجدار، كلما تقدمتُ في درس القراءة أصبحتُ اكثر إلماما بما تعنيه، وبأنني المقصود بها دون سواي " عيب... في حماية فتاه"... "أنت نصف ولد" وغيرها...
تدور مع الجدار بعد رحيل أسراب النمل إلى جوف الأرض، حتى تصير أمامي تُبرر غيابها بعذر وحيد ومألوف: العيادة الأسبوعية للطبيب...
- غيابك المتكرر يربكني هنا... ماذا أفعل لتظلي حاضرة؟
- تريد ان تعرف؟ ولم تنتظر إجابتي ... ركضت نحو بوابة الباحة وهي تقول: فقط إتبعني.
أخذتني إلى المشتل المجاور، كان بأشتاله المبللة يبتلع النصف المتبقي للطريق الخلفية، أشارت لأسراب النمل وهي تعبر بمحاذاة السور المدرسي، لتلتقي في حزمة واحدة هناك، ثم تغيب خلف بيت بلاستيكي ينتصب خلف أسلاك شائكة، توقفنا هناك، همست لي في أسى: لا أخفيك فقد بدأ صدري يضيق بهذا الدبيب ... لو أني أعثر على بيت النمل خلف هذا السياج... لتخلصتُ منه فوراً... فينتهي كل شيء.
وصلتُ متاخراً، إستوقفتني المربية، وهي تنفض عن يديها بقايا طبشور عالق ، أين كنتْ؟
- عند المشتل المجاور برفقة " رهف"... هل تأذني لي بالجلوس؟
قبضتْ على أذني وهي تقول: تأتي متاخراً... ثم تكذب! كلنا يعلم ان " رهف" غادرتنا منذ زمن ولمكان بعيد؟
أعادت لي نصف الشطيرة، مسحتُ دموعي وأنا أسندُ ظهري لسور الباحة منفرداً، كي أراها... كانت بزيها الرمادي كزهرة حقيقية، نضجت للتوً، حنتْ جذعها لتهمس في أذني: لا تسمح لأحد بخطف شطيرتك... أخفها داخل الحقيبة... ثم تلاشتْ في زحام الباحة بقية الفسحة...
الغرفة لا تتسع للمزيد مغلقة تضج في صخب ينخر أذناي، لم أحظَ بأحد منهم كي يشاركني الحديث مثل البقية، تلفعتُ بصمتي وألوان حقيبتي الزهرية، ولذتُ وحيداً بهاجسي ووجه أمي، كان يوماً طويلا كشهر، وجه الفتاة ذات الزي الرمادي يطل ثم يختفي بين رفاق الغرفة، كانوا يحيطون بها في شبه دائرة، وددت لو أصف لأمي في تلك اللحظة مدى إنكساري في غيابها...
عند المساء تذرعتُ بتلك اللحظة، هالني صراخ آخر وانا أعلن عن تمردي، أخذت أتلفت حولي في تيه وخوف، خلته يأتيني من تلك الغرفة الصاخبة، الضيقة حيث إلتبس الأمر هناك، ثم لمحتُ سبابته تلوح في الهواء محذرة، أفقتُ على يد امي تهزني و"تبسمل" ثم توجه حديثها لأبي: سيذهب... غداً لا عليك، فقط هو يومه الأول... وغداً يعتاد.
تحول نحوي بشعره الاصفر وملامحه القاسية حيث كنت أقف بإنتظار دوري عند حدود المساحة الرملية، خطف حقيبتي بعنف، عض على شفته السفلى ثم رمى بها وسط الباحة المكتظة، صرخ في وجهي: لن آخذ شطيرتك اليوم... فقط إذهب من هنا... هذه الألعاب لنا وحدنا.
ترجلتُ عن الارجوحة بعد تأكيدي لها بأني اكتفيتْ، خالطني سرور مشوب بقليل من الرهبة، حين شيعتني عيون الأولاد بنظرات حانقة، تخطينا الساحة الرملية وهي تمسك بيدي، توجهنا لغرفة الدرس،هناك كنتُ أصنع لها قبعة من ورق مقوى تدلى من حائط الغرفة، بخفة فائقة، لم تخفِ تلك القبعة جديلتيها ولا إمتنانها امام الآخرين... سألتها عن إسمها أجابت بخجل لا يتفق مع نظرة التحدي التي شكلتْ ملامحها منذ قليل في ساحة الألعاب: رهف... إسمي رهف، ثم إستعادت طبيعتها وهي تضيف: ستظل تأخذ دوري هناك على الأرجوحة، في كل يوم... مثلما إتفقنا... فقط لا تخف من أحد.
كتابات بلون داكن ملأت جدران الباحة الخارجية، والممرات الداخلية بين الصفوف، كانت تبدو لي رسوماً وطلاسم لم اعرها إهتماماً، كانت عيون الكثيرين من الصفوف العليا تطالعها ثم تشملني بنظرة خبيثة، شعرت بحصار مطبق وكانها تعنيني تلك الطلاسم، رفض الجميع قرائتها لي حتى المربية تراجعت واكتفت بالقول لا عليك سنمحوها، فأيقنتٌ انها عني.
خلتها لن تأتي وأن المشتل قد إبتلعها، لكنها حضرتْ...كانت تموج مترعة بجديد مرتقب حين ولجتْ غرفة الدرس، دون أن يشعر بها احد... تمهد لفوضى محتملة، بتُ اعلمُ مسبقاً، لكنها تأخذ كرسيا وتصغي هذه المرة، تختلس النظر إلى حيث اجلس، فابدو مطارداً، زفراتها المتلاحقة تنهش جسد الصمت المطبق في الغرفة...
- عثرتُ على بيت النمل، ... تهمس جذلى، في حين تطغى أنفاسها على كل شيء.
- ليس الآن... نتحدث لاحقاً... أجبتُ بصوت مسموع.
أنتَ مرة اخرى... سكوت من فضلكْ، ثم رمتني بنظرة حائرة ذات مغزى قاسي، فاعتذرتُ للمقاطعة، ولم أصدق... ألم تسمع تلك المربية احداً غيري يتحدث...؟
رفعتْ " رهف" كرسيها وعبرت بين الجميع، وضعته بجانبي، ولم تجلس عليه، إرتمت عند قدماي فوق أرضية الغرفة، ثم راحتْ تزحف على ظهرها ببطء أثار حفيظتي، كان لهاثاً مسموعاً للجميع لكن احداً لم يصغِ، ثم توقفتْ، كان لهاثها قد توقف أيضاً، رأيتها جثة هامدة لعينين جاحظتين وفم يشهق، تلك هي أو ما تبقى... صرختُ في الجميع: رهف تختنق... لكن احداً لم يكترث! جثوت إلى جانب الجسد النحيل، حيث بدأ ينتفض وبقوة ثم... تدفق سيل كثيف من النمل وجد طريقه عبر فمها لينتشر فوق باقي الجسد، فلم احتمل... تناهي لسمعي تداخل كثيف لأصوات تحثني على الوقوف، في حين اخذتُ أصرخ في هلع: النمل... النمل يخرج من صدر "رهف" ولم أعي ماحدث، سوى وجه المربية وهو ينزف الواناً قاتمة سكبتها فوق مخيلتي حين أخذتْ تصفعني بتلك الملامح القاسية: يكفي... يكفي انت تثير فزع الآخرين... ثم دنت بيديها مني، ميزتها للحظة، ثم عرفتها تماماً حين أخذت تهزني فأدركتُ اني في سريري، ضوء كثيف غمر المكان، حمل جثة "رهف" بعيداً، لُذتُ بحافة السرير، تحصنتُ بغلالة النوم وانا اواصل، النمل ... النمل...كان هنا، بينما وجه أمي يرقبني في فزع وهو يواصل صفعاته بتلك الملامح القاسية: غدا ستذهب لتلك المدرسة... رغماً عنكْ، هل تفهم؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبها ناصـــر الريمـــاوي في 09:22 مساءً ::
العزيز ناصر ...
طفولة مزمنة ... طفولة هائمة
تحلم في البعيد و كأنة القريب ...
و تمضي لغياهب الزمن تشكو الاحلام و ترافق الأبد !
لن أطيل عليك هذة المرة و لكن مسلسل الطفولة هذا ناجح لحد كبير
تقبل مني التهنئة عزيزي
لتجانس الكلمات و تشابك المعاني !
دمت بألف ألف خير
أخي ناصر
انا متواجد هنا مع النص يومياً اقرا بتمعن
وابحر مع الفكرة التي نسجت منها حبكة القصة
وبالتالي يتطلب الامر مني التوصل
فقط مررت لاحجز مقعدي واسجل حضور ..
هنا الدفء وسنفونية الانسان ، براءة الحس ، ودفق الحلم .. ولغة تأخذك على جناح الصفاء .. والجدار المائل يرتفع بأحجار ينحتها الريماوي بصبر ووعي وبحث عن شكل مغاير يفضح به الخلجات الانسانية الاولى وتماسها مع وضع وواقع مشحون بفيض بريء ..
تشكل ( رهف ) الوجود بكل ما للكلمة من معنى ، انها الحياة وهي الموت الذي يرفضه الريماوي بالحلم ويحشد له عالما سورياليا ..
تعتمد التقنية على النمل ، النمل هنا أقدر على تحقيق صورة رمزية مكثفة في الموت ، انه بكثرته وعضه ، وضربته تصدر عن التحام .. ويقع النمل في الطرف الاخر اي في الحلم ، على انه الصورة الاكثر عمقا التي تحقق رسم الحلم وتجيز له فاعلية في تشكيل رهف التي تقع بين الحياة والموت .. وهو فوق هذا أداة وجود في مسرح الطفولة .. ( يعيدني النمل هنا الى قصتي فجيعة عبد الموجود ) ..
يمسح الريماوي هذه الطفولة بعين أكثر دربة ومراسا ، ويفتح هذا الفيض البريء على رموز تقع مفاتيحها في جدل التقنية .. ويعزز تجلياته بالأحلام ويلتقط صورا دقيقة يؤسس منها لدفع الاحداث الى مساجة حسنا ( خط النمل ، والمشتل والارجوحة والشطيرة والكتابات على الحائط التي تعنيه هو دون سواه ....) كل هذه الصور تبدو كما حبات في خيط مسبحة الريماوي يهزها بين اصابعه فنتفرج على وجعه وحيرته وانسانيته .. في خلال ذلك يتداخل الوقت ، لان القصة تقع بين النكوص واستلهام الأحلام ..
يقع الحوار من العمل موقع القلب من الجسد ، فهو هنا نبض انساني فائق العمق والدلالة ..
- عثرتُ على بيت النمل، ... تهمس جذلى،
ثم تخليها له عن دورها في الارجوحة .
وبذكاء بالغ يقتل الريماوي طفولته ( رهف ) بتكالب النمل على صدرها .. لكنه يفعل ذلك باللجوء الى الحلم ..
انها حقيقة يصورها بواقع لكن هذه الحقيقة تقع في مجال حلم سوريالي لطفولة مزمنة .
رائع انت لك اجمل الصفاء عزيزي
العزيز ناصر
في هذا النص فعلا كما قال طارق لحمادي هناك سريالية
لكنها في نفس الوقت ثفاصيل لواقع موجود بكل معاناته
إنها الطفولة بكل ملامحها المنطقية والشاذة
فالخيال الطفولي خيال خصب حتى في حالات الخوف
التي تصيب الاطفال ربما في حالة الخوف تجد قمة الغرابة ؟؟؟
إن ناصر يدخلنا إلى عالم بهذه الكثافة الفنية والواقعية
والإثنان لا ينفصلان بل يعطي للصورة الفنية عمقها حتى
نصل إلى الهدف المعرفي للنص وهذا ما تتميز به قصصه
وكذلك الرموز التي يتخذها كهاجس نحو الإرتقاء إلى معنى
هذه الطفولة بكل ازماتها التي تكون في الغالب لاتصل
لوعي الكبار ؟؟؟؟؟
أجمل ما يشدني لنصوص هذه الطفولة هو اللقطة التي
يحسن ناصر التقاطها بعمق تصلك رغم الرموز في تقديم
اجمل وأدق المعطيات في تكوين هذه الازمة لكائن عاجز
يعتبر نفسه تحت رحمة الأخرين (الكبار)
أحس أن هذه المجموعة ستكون عملا متكاملا لموضوع واحد
وهذا سيعطي المجموعة ميزتها خصوصا ان ناصر وفق في
أدواته التعبيرية ؟؟؟؟؟
مع المحبة
العزيز الريماوي
كيف حالك
ليس فقط أتى الصيف بالقيلولة .. بل أخذ معه جل وقتي .. فلم أعد أستطيع التواصل مع الأحبا و الأصدقاء ... قرأت قصتك الأخير من عدة أيام .. لم يكن لدي وقت لأكتب شيئاً بالخصوص .. فرحلت صامتاً .. ولاشك لي عودة لأعيد القراءة
فقط أردتُ أن أحييك ..
أتمنى أن تكون في عافية أيها الصديق
أخي الرائع ناصر ريماوي ..
في هذه القصة ( اتيت .. ) .. على موضوع هام
وهو اجبار الطالب على مدرسة معينه
او دراسة ( معينة .. ) .. وبالتالي عدم احترام رغباته
ربما ..
يمارس نفس السلوك مع الابن .. ( خاصه .. ) .. عندما يكبر
فيجبر على الدراسة الجامعيه
من قبل الابوين
وبالتالي يفشل مرتين
الاولى في الصغر ( والثانيه .. ) .. في الكبر ..
القصة ..
من ناحية البناء ..
جاءات نموذج ققصي فريد .. ( فزاد .. ) .. استمتاعي بها
وشغفي بما كتبت ..
مودتي
مساء الخير ايها الريماوي واسعد الله جميع اوقاتك بالخير ..هي الطفولة تأسرنا دائما وابدا هو التراب ملاعب مشدودة لجنون الصغار بألعابهم تركض في حلمهم واصابعهم . كنا ننادي ويسمعنا الغيم هي الطفولة فينا في دواخلنا مزمنة قد يكون لنا في التراب ذكرى ستمتحن الأرض والافق فينا وها أنت ايها الريماوي تأخذ القصة والنص من جذعة باعثا ثوب الام المطرز . ننبش جرح الصبا تنثر . الأشياء باتجاه الجنين الى هذه الطفولة لان الأرض انتماء .. كل الصور هنا في هذه القصة عشتها وان لم اعشها تخيلتها وبعثت في نفسي اشياء كثيرة . ينفتح المشهد الآدمي على شكل خيطٍ من النمل أولة في الفراغ وآخرة في الجنون
ربما عشنا الطفولة بالحرمان وكنا نصنع الدمى بأنفسنا وننظر الى جهة في الزحام
لكننا عرفنا كيف تكون للطفولة معنى فينا
ناصر احييك على هذه القصص المتسلسة التي تعتني لنا الكثير
حيث كان السرد الجميل والقوة في الغيال الخصب
اعذرني على التقصير لكنة الملل من عالم النت
تحياتي لك
ما بال الطفولة المزمنة مغمّسة بالالم؟
اعتدت رقّة (الضيعة ) وبساطتها في روح كتاباتك
عندما اقرا لك وللاخ سامح عودة
اسمع من بين السطور اغاني فيروز
وتطرب روحي لكلمات تشكّلني بكل ما فيها....
تماوجت روحي بكثير من الاحاسيس وانا اقرا
شعرت بالخوف وانت تقول :... لو أني أعثر على بيت النمل خلف هذا السياج... لتخلصتُ منه فوراً... فينتهي كل شيء.
ثم استسلمت للألم
وعدت لهواجس الرعب مع عباراتك :رهف تختنق... لكن احداً لم يكترث! جثوت إلى جانب الجسد النحيل، حيث بدأ ينتفض وبقوة ثم... تدفق سيل كثيف من النمل وجد طريقه عبر فمها لينتشر فوق باقي الجسد، فلم احتمل... تناهي لسمعي تداخل كثيف لأصوات تحثني على الوقوف، في حين اخذتُ أصرخ في هلع: النمل... النمل يخرج من صدر "رهف"
..........
كثيرة هي مواقف الرعب الطفولية وعجيبة هي خيالاتنا
لكن لربما احتجت في النهاية الى حضن دافئ من الوالدة ووعد بذهابها معك الى المدرسة غدا
تحياتي لك اخي الغالي
ناصر...
الاطفال يسمعون اصواتا لايسمعها الكبار غير ان بعضنا يستمر في سماعها لوقت طويل بعد...وانت وربما انا من هذا النوع..
عندما كنت طفلا طلبت مني معلمتي ان اغلق كتاب الحكايات قبل انام كيلا تفر منه جنية ما وتخطفني...
وانا ياصديقي غفوت في المكتبة وتركت كل الكتب مفتوحة........
قصة جميلة اعلاه انا لم اتعرف بعد على اسلوبك السردي ويتوجب علي ان اقرألك اكثر...لكن اسلوبك جميل ومختلف جدا عن المألوف وهون عليك فلست ناقدا ادبيا بل اني اكره النقد اصلا...غير اني قاريء نهم واحببت ما قرأته هنا........
لك وافر الاحترام
وكثير من القبلات...
الفارس المتأخر
رام الله فلسطين
الاسم: ناصـــر الريمـــاوي
