قراءة نقدية لقصة ناصر الريماوي ” هيرات الغوص ” .
كتبهاناصر الريماوي ، في 2 حزيران 2009 الساعة: 10:52 ص
رؤية نقدية: سمير الفيل
هذا السرد الكثيف ، بتفصيلاته الممعنة في الدقة ، والمشغولة برهافة شعرية ، لا تخلو من إطناب وتنويعات على النغمة الأصلية المائزة ، وبتلك الكيفية الطازجة في رؤاها ، أقرب إلى الحس الروائي ، ففي النص تمكن واضح ، وصحة لغة ، وخيال خصب. وهي عناصر تشي بإمكانيات فنية ناضجة وواعية بالشرط السردي ، ومفاتيحه نحو الإجادة والنفاذية.
أعتقد انها رحلة نحو البحر الحلم ، واللؤلؤ المستكن ، والحسناء المبهجة. امتلأ النص بالمصطلحات ؛ فالعمل يحوي جزء معرفيا ، وفيه انطلاق للتماس مع عوالم الغوص في الخليج لاقتناص اللؤلؤ . أما السرد نفسه فيحوي محاولة فيها اصرار للغوص في حياة واقع قد انحسر واصبح قطعة من التاريخ العتيق . ثمة محاولة من الكاتب ليمتعنا فنيا وجماليا و تشكيليا بالانعكاسات الفريدة لهذا المحار الذي تحول مع الزمن إلى شيء ثمين لا يقدر بمال.
تبدأ الرحلة ـ وكأنها معراج عصري ـ من أمام طاولة ممددة تحت سقف " المقهى التراثي " ، وتنتهي بمقابلة " الدانة " ابنة النوخذة. إنها أشبه ما تكون بالجارية التي تفتن كل من رآها فتسحره بالكلام والإيماءة . لكن مسار النص نفسه يحوي مساحة للدهشة والأسطرة فقد بدا البطل مخطوفا ومأسورا ضمن " حدوتة " عربية لها نشغ سحري متاصل ، حيث يساق البطل لأماكن لا يعرفها ، وهو يحاول التخلص من مأزقه بلا جدوى . إنه متورط بمعرفته وهم مأخوذون لماضيهم ولن يلتقي الطرفان إلا بصعوبة بالغة .
منطقة وسطى . منطقة متأرجحة في نواياها ومختلطة في ملامحها بين الواقع والخيال خاصة أن القرن العشرين يبقى علامة على زمن حاضر هو زمن البطل فيما تكون الوقائع كلها منتشلة من زمن ماضي ، هو زمن الغوص من أجل اللؤلؤ ، وقد حاول القاص أن يربط بين زمنين: زمن الوقائع اليومية لعناصر الغوص بكل تراثها الخبيء وبين عصر قائم في الراهن يعتمد على رقاع مليئة بمعلومات ، لا أكثر . يجمع بينهما البطل في ترحاله وخيالاته. والبنت التي اختطفت قلبه تنتمي لهذا الماضي البعيد ، وهو يرقب الرحلة من مبتداها حتى منتهاها.
مثل هذا النسق من الكتابة يحتاج إلى كم معلوماتي هائل كما يحتاج في نفس اللحظة إلى تدفق تخييلي ليصبح التضافر طيعا ، وطبيعيا.
هناك موازة في الأحداث بين قافلة البر والإبحار في الخور وثمة غلالات تحيط بالمشاهد خاصة فيما يخص الهودج ـ وهو يلتصق في ذاكرتنا بما يحمله من نسوة حرائرـ ولكن يبدو أن البطل قد دخل طرفا في الرحلة فقد اقتيد إلى غرفة غامضة في سماتها اقتيادا قسريا مع أنه يحمل " الرقاعة" ، وهذا لم يعفه من أن يكون محل شك كبير ، و تساؤل مستمر .
يتسمع البطل أهزوجة تفيض بعذوبة الصوت الجميل ، ويجد نفسه في إحدى " البراجيل " في انتظار عودة النوخذة . يتبع الخادم في الطريق إلى البلدة حيث تحيط بالأخوار ، والكل في انتظار يوم " القفال" وعودة مراكب الصيد محملة بالخير.
فيما يبدو فالبطل من زمن مغاير ، يدل على ذلك استغرابهم من شكل ملابسه ومن تصرفاته. إنه قادم من زمن متقدم فيما الزمن الفني للنص يدخلنا لزمن مختلف عرف أمجاد الغوص وأهازيج " النهام " والرزق يفيض فيملأ الجيوب بالمال ، والقلوب المسرة.
رقعة موقعة بأزمنة لاحقة. نفس الجدل القائم بين الأزمنة في صراعها الدائم لامتلاك الحقيقة ، والحصول على الجواهر والممتلكات : اللؤلؤ والنساء الحسان والمسك والعنبر.
زمن آفل ومراكب الصيد تتأخر في العودة ، والنسوة بلثماتهن ، والمحامل نفسها لم تصل من مومباسا ، لكان الظروف كلها تجتمع لاستأصال الحلم كي يتحول رمزيا إلى كابوس مميت .
لقد تحول كابوس الرحلة إلى إنهاك جسدي اقترن بتشتت ذهني ، فكان قرار الفرار. إنه المراوغة داخل الحلم . مثلما يأخذك الحلم وأنت نائم لموقف صعب فتهرب منه بالنوموانت تدرك انك تحلم . حيلة معهودة يفسدها شيء خارج الإرادة . أن يجد الحسناء " دانة " تقف بكحلها الرباني تمارس معه فكرة الإغواء ؛ فتعطل فكرة الهروب.
تتأمله ويبدأ الحوار بين شخصيتين وزمنين وتوجهين. هل يتبعها بأشواقه وأحلامه ووجوده المادي الملتصق بالأرض ام ينفلت من سطوتها وجمالها ورغبتها في ان يصبح تابعا لها ليحقق ذاته المتعبة ؟
إنه السؤال الصعب الذي يواجه كل محب في مفصل محدد للتوجه شرقا أو غربا. شمالا أو جنوبا.
لذة الحلم وفتنة الاكتشاف تسور رحلتهما معا ، وينفتح النص على سؤال معرفي وآخر وجداني ، ونتوجس خيفة أن ينهار الحلم في منعطف من منعطفات تحركهما معا.
تقوده إلى سفينة قديمة غائرة في رمال الصحارى . من بين الشقوق يرى الشاعرة ، ويدهمه النغم ، فيسري في أوردته الخدر اللذيذ . وتكون العودة إلى المقهى . مجرد هبوط اضطراري من قمة الحلم إلى أرض الواقع وخشونة الحياة .
من يمكنه أن يفلت من العناكب والشقوق والغبار وكافة القيود التي تحيطه ؟ لا يمكن أن يحدث ذلك بتلويحة عابرة أو عبر حلم قريب من الخذلان .
هل له أن يودعها بتلويحة من بعيد أم يكتفي بعذوبة الذكريات الافلة ؟ ذلك هو المسكوت عنه في النص فقد اكتفي القاص برصد الرحلة تاركا المتلقي يكيفها بالصورة التي تعجبه. أما هو فقد فر في سيارة أجرة كانت تنظره خارج النص . بعد ان وضع آخر نقطة على السطر السردي وفر هاربا دون أن يتمكن ناقد من الإمساك به وإعادته للرقعة البيضاء للنص حيث ترك بها فراغات مشغولة بأنغام السيكا والنهاوند والصبا!
ما أجمل أن يتحول السرد المعاصر إلى لحن عربي أصيل في زمن عتيق لم يعد منه غير حلمه : حلمه الذي يتعطر بقدمه ورصانته وقدرته الفائقة على الافلات من كل تحديد !
سميرالفيل
دمياط 23 /4/2009
……………………………..
* رابط النص :
http://arabicstory.net/index.php?p=text&tid=13461
سمير الفيل
كاتب مصري
Samir_feel@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : القصة القصيرة, نصوص متحررة... | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























يونيو 2nd, 2009 at 2 يونيو 2009 11:13 ص
mamass قال:
أبريل 24th, 2009 at 24 أبريل 2009 1:52 م تحرير
عزيزي ناصر
سعيدة بقراءة الأستاذ سمير الفيل لهذه
القصة التي يتمازج فيها الحلم وزمن
الكاتب الذي يأخذنا لهذه الاجواء العابقة
بالقصص الثراثية الجميلة التي سرقت مخيلة
الكاتب حين وجوده بالإمارات فتفاعل مع
هذه الاجواء وخرج لنا بهذ القصةالجميلة
باسلوبه الخاص الذي يحمل الدهشة.
وسمير الفيل من المبدعين المصريين والمتخصصين
في مجال القصة القصيرة ويشهد لك بهذا الجانب
من خلا هذه المقالة وأظن أن الكل
يتفق على مستوى الجودة والإتقان
في الكتابة القصصية لديك وسعيدة
بالصدفة التي أتاحها لي مكتوب
كي أقرأ لك مجموعة من الإبداعات التي
تتسم بالجودة والذوق الفني وكذلك أقرأ
لعدد من زملاء التدوين كطارق لحمادي
وعبد الله عبدالله ولانا لحياري
تحياتي
يونيو 2nd, 2009 at 2 يونيو 2009 11:14 ص
باسل فلسطين قال:
أبريل 26th, 2009 at 26 أبريل 2009 12:27 م تحرير
استاذ ناصر..اعترف اني مررت مرور الكرام على ما كتبه الاستاذ سمير الفيل حول قصتك بانتظار الشاعرة…لكن ايضا انا هضمت ما كتبه جيدا…
انا شخص ينتمي لقراء من نوع مختلف…لا اجيد النقد..في الواقع يا استاذ ناصر ما يلفت نظري دائما في قصصك هو كثافتها وتركيزها وايضا وجود ذلك الخيال الطفولي فيها كانها احلام السندباد في رحلة عبر الزمان والمكان..
في انتظار الشاعرة قصة شممت فيها رائحة الخشب العتيق والبحر والميناء باجوائه الرطبة الخانقة…صرت انا جزءا من كلماتها وصورها..
لاني كنت جزءا من تلك الاقصوصة القديمة الجديدة فاي كلام سوف اكتبه عنها سوف يختلف تماما عما قد يكتبه قاريء اخر…
سوف استعمل كلمة واحدة
تلك القصة كانت جميلة
جميلة…
شكرا لك لاني من خلال مدنتك تعرفت على نقاد واساتذة كبار مثل الفيل وايضا ماماس..
وافر حبي
الفارس المتأخر
يونيو 2nd, 2009 at 2 يونيو 2009 11:14 ص
ناصر الريماوي قال:
أبريل 24th, 2009 at 24 أبريل 2009 11:42 م تحرير
عزيزتي ماماس
كانت تلك تعليق أشبه بالمقالة في موقع القصة العربية
على قصة هيرات الغوص، في الحقيقة أذهلني الأستاذ سمير الفيل
بهذه القراءة والتي إعتبرتها مقالا واحتفظت بها كإدراج مستقل
على صفحات المدونة، كنتُ محتاجاً لهذه القراءة لأنها كانت التجربة الأولى لي بذلك النوع من القصص مثلما كنتُ بحاجة لقراءتك في الطفولة
المزمنة والتي اذهلتني انا أيضا وجعلتني أحب قصصي من خلالها أي من خلال مقالك العزيز….
وللشهادة فإن عبدالله عبدالله العزيز كان قد أدلى بتعليق على الهيرات منذ نشرها وكان تعليقه مفيدا جداجدا لي وقتها… كان بمثابة المباركة لذلك الأسلوب في بناء القصة وللفكرة أيضاً
أشكرك على تواجدك الدائم أعتز بهذا التواجد
تحياتي
يونيو 2nd, 2009 at 2 يونيو 2009 11:15 ص
ناصر الريماوي قال:
أبريل 27th, 2009 at 27 أبريل 2009 11:26 م تحرير
عزيزي باسل
ما قلته ولخصته في كلمة واحدة
أيضاً يكفي… أن يقول القارىء
أن القصة جميلة مثلا فهذه شهادة يعتز بها الكاتب
فالكتابة لا تكون للنخبة فقط أو
لمعشر النقاد بل للقارىء لكل القراء
أشكرك على حضورك
دمت بخير يا عزيزي