
إهداء إلى الصديق العزيز "الحمري محمد" من المغرب
(2) خـازن الربـوة
على الرغم من علوّها الشاهق إلاّ أنها كانت مكاناً سفلياً يقبع تحت قشرة السطح، هواء ثقيل وحار يربض في الأجواء، لا ينتمى للإرتفاعات المعروفه على خارطة الأماكن، إستوقفني برداء طويل أبيض، أشار للبطاقة الممغنطة المثبته على صدري، رمقها بنظرة خاطفة وتمنى لي طيب الإقامة، طلبتُ منه ان يدلني على الزنزانة المسجلة، فرد مستهجناً: زنزانة !! ليس ثمة زنازين هنا أيها السيد… ربما تقصد عنابر النزلاء؟
حظيت بقليل من الإرتياح المشوب بالتوقعات المفاجئة، تكشفت أمامي ساحة "مسفلتة " خلتها للتجمعات الصباحية، مستديرة تحول دون التنقل من مكان لآخر على هذه القمة إلا من خلالها، سارية مغروسة عند المنتصف تشكو غياب علم محتمل عند قمتها… ثلاثة مباني أفقية تمددت على حافة الربوة المسيجة بالأسلاك الشائكة، أحاطت بها مسطحات خضراء من كل الجهات.
رافقني رجل آخر ، بذل ما بوسعه ليظهر ببشاشةٍ المضيف… ولما لم يفلح قدم إعتذاراً عن يباس الملامح… ولم ينظر في وجهي، قادني لأحد المباني المسيجة باليافطات القماشية، كانت تلك اليافطات تسترخي في كسل مبهم على جسد الجدار تحت وطاة الركود الثقيل للرياح … بينما تنعكس على صفحاتها إبتهالاتٍ منوعة ترحب بحضور غير مسبوق لجميع الكتاب من خلال روابطهم الاقليمية…
بدورها كانت الذاكرة تمطرني بالمزيد من الصور المختزنة تحت وطأة الهواجس لهذا المكان…
كان الرجل يستنفذ فرصته الأخيرة في تشكيل ملامح وجهه المتكلسة في آتون البشاشة … لكن بلا جدوى، أفقت على وخزة من عصاه، فأعتذر مستدركاً وهو يقول: هناك… بطل قصتك هناك، واشار لحجرة مرصعة بالزجاج الواقي ولنهاية توحي بفراق مؤقت بيني وبينه…
كانت تلك، هي المرة الاولى التي أراه فيها بعد نشر قصتي، لم يعرفني للوهلة الأولى، ثم ادرك وجودي بغريزة التواصل المعدومة…
تقدم نحوي فأثار في داخلي حنيناً وشعوراً عميقا بالذنب، لم يكن على قدر كبير من الحيلة، لكن الاشهر الستة الماضية في هذا المكان بدت وكأنها قد أنضجته أكثر مما يجب.
- هذه الليلة الأخيرة لك هنا … وغداً تعود معي
- لا أريد مرافقتك… يكفيني ما حدث…
- لك ما تريد… لكن عليك ان تظل أمام ناظري، فأنت تحت وصايتي..
- هل لي أن أعرف لم لبيتم الدعوة، لماذا وافقتم جميعكم على الحضور ؟؟
- أعتقد… أنه لأجلكم
إقترب مني حتى عانق اللوح الزجاجي، وقال بنبرة جادة تفوح منها رائحة التحدي: لأجلنا لا تعبثوا بتلك القصص … أنا عني أريد أن أبقى كما أنا… وأيضاً رفاقي كذلك، صدقني لن نمنحكم تلك الفرصة.
وافقته دون أن أعي أي مبرر لما قاله، لا بل دهشت لتلك النبرة الجادة ولتأكيده الحديث نيابة عن الجميع، ثم أستوقفني قبل أن أغادر وهمس لي : فقط إمنحني اسماً… أرجوك. قالها في كبرياء وأسى… فتكبدتُ مرارة النظر والإستماع معاً.
لم احتمل تلك المرارة… فتمنيت لو أني أمحوه من ذاكرتي… عاد لسريره، تكوم فوق نفسه، دفن عقدين من عمره بين ساقيه، وبكى بالنيابة عني …
تقاطر ملفت للحضور، حياة أخرى بدأت تدب فوق الربوة المهجورة، تزامنت مع إنارة المصابيح الضخمة فوق الأسلاك الشائكة، ومع لهاث آخر وهج للضوء كان يركض خلف الشمس، بعد قليل كان زحف العتمة يقف عند حدود القمة بعد أن اغرق المدينة تحتنا بأكملها ولم نعد نرى سوى خيالات باهته…
كنتُ قد تخلصتُ من ذلك التوتر الذي رافقني، حين لمستُ تحفظاً يقيد حركة الحضور واخذت ابحث عن صديقي بينهم، فلا بد له أن يأتي… لا أظنه قد تخلى عن بطل قصته الذي أقتيد بتهمة التحريض لعالم الأموات.
نشرَ الرجال مقاعداً خشبية تراصت في صفوف متقابلة فوق الساحة العامة والمسطحات الخضراء الجانبية، سرى شعور بالإنتعاش عندما تضوعت روائح مختلطة من القهوة والشاي الاخضر وبعض المشروبات الاخرى، كان هناك رجالٌ آخرون بوجوهم الصارمة ولباسهم الذي يشبه زي الممرضين قد تكفلوا بتقديم تلك المشروبات على اطباق نحاسية، لم يكن صديقي " بالحبيب" بين الحضور فخشيت النوائب وانتبذت مكانا منفرداً…
إرتياح عام جلل أمزجة الحضور، فأضفى ألقاً فاق التوقعات، حين تخلى البعض عن صمتهم المبيت مسبقاً، همس حذر ثنائي الاطراف أخذ ينمو ، سرعان ما تحول إلى حوارت علنية، لم تلبث تلك الحوارات أن غيرت مجرى الامسية برمتها… تطوع احد الحضور ليعلن أمام الجميع عن صدور روايته الجديدة التي تخطت حواجز التشريح بمهارة فائقة… ذلك أن أبطالها هم من الدرجة الثالثة في عالم الاحياء…
أيده العديد… ، تطوع آخر فألقى قصيدة حديثة حركت بإيقاعها العاصف ركود الهواء
المزيد